الحرب الإقليمية تعيد تشكيل موازين القوى في اليمن

(عاد/ موسكو) متابعات:

مع انتقال التوتر الإقليمي إلى مستويات غير مسبوقة، اكتسب اليمن أهمية إستراتيجية مضاعفة، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي المطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، بل أيضا لأن الأطراف الفاعلة فيه أصبحت مرتبطة مباشرة بمسارات الصراع الإقليمي الأوسع. وبهذا المعنى، لم يعد مستقبل اليمن يُحدد فقط داخل حدوده، بل بات رهينا إلى حد كبير بالتوازنات المتغيرة في الإقليم كله.

ويشهد اليمن مرحلة مفصلية جديدة تتجاوز حدود الصراع الداخلي الذي استمر أكثر من عقد، ليدخل في إطار أوسع من التحولات الإقليمية المرتبطة بالحرب المتصاعدة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. هذه الحرب، التي لم تعد محصورة في ساحات تقليدية، أعادت رسم خارطة التوازنات في الشرق الأوسط، وجعلت من اليمن إحدى أكثر الساحات حساسية وتعقيدا في هذا الصراع الممتد.

وفي هذا السياق لم تعد الحرب في اليمن مجرد مواجهة بين أطراف داخلية، بل أصبحت جزءا من شبكة أوسع من التفاعلات العسكرية والسياسية التي تربط بين عدة جبهات إقليمية، من العراق وسوريا ولبنان إلى البحر الأحمر والخليج العربي. ومع اتساع رقعة المواجهة، برز اليمن كساحة تقاطع بين الحسابات المحلية والإقليمية، حيث تتداخل المصالح وتتشابك خطوط النفوذ، وتتحول الأرض اليمنية تدريجيا إلى مساحة اختبار لتوازنات القوة الجديدة في المنطقة.

ومنذ انهيار العملية السياسية وتعثر التسويات المتعاقبة، تعمّق الانقسام الداخلي بين القوى اليمنية المختلفة، لكن التطور الأهم خلال السنوات الأخيرة يتمثل في انتقال مركز الثقل من الصراع المحلي البحت إلى صراع ذي امتدادات إقليمية واضحة. وجعل هذا التحول من أطراف الحرب في اليمن لاعبين ضمن منظومات أوسع، تتأثر مباشرة بمسارات الحرب الإقليمية الجارية، وتعيد تموضعها تبعا للتحولات التي تشهدها المنطقة.

الضربات الجوية التي استهدفت مواقع الحوثيين خلال عام 2025 لعبت دورا مهما في إعادة تشكيل إستراتيجيتهم العسكرية

وفي شمال البلاد يواصل الحوثيون ترسيخ سيطرتهم على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة أخرى، مع تعزيز قدراتهم العسكرية والتنظيمية. وعلى الرغم من الضربات العسكرية المكثفة التي تعرضت لها البنية التحتية للجماعة خلال عام 2025، فإنها تمكنت من الحفاظ على تماسكها الداخلي، بل وأعادت ترتيب أولوياتها بما يتناسب مع البيئة الإقليمية الجديدة.

ولم يعد الحوثيون يتحركون فقط ضمن منطق الصراع الداخلي اليمني، بل باتوا يتعاملون مع أنفسهم باعتبارهم فاعلاً إقليميا له دور مباشر في معادلة الردع المرتبطة بالصراع بين إيران وخصومها. وانعكس هذا التحول بوضوح في طبيعة خطابهم السياسي وفي تطوير أدواتهم العسكرية، خصوصا في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، التي تحولت إلى عنصر أساسي في معادلة الضغط الإقليمي.

كما أن الجماعة استفادت من تصاعد التوترات الإقليمية لإعادة تقديم نفسها بوصفها جزءا من محور إقليمي أوسع، وليس مجرد قوة محلية متمردة. وهذا التحول منحها زخما سياسيا وإعلاميا، وساعدها على توظيف الحرب الإقليمية في تعزيز شرعيتها داخل مناطق سيطرتها، عبر خطاب يربط بين المواجهة في اليمن والصراع الأوسع في المنطقة.

ومع تصاعد المواجهة بين إيران وإسرائيل، وازدياد احتمالات الانخراط الأميركي المباشر في ترتيبات الردع الإقليمي، برز البحر الأحمر باعتباره أحد أهم مسارح الصراع غير المباشر. وهنا اكتسب اليمن أهمية استثنائية بحكم موقعه الجغرافي المطل على مضيق باب المندب، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية بالنسبة إلى التجارة العالمية وأمن الطاقة.

وجعل هذا التطور من اليمن نقطة ارتكاز رئيسية في أي تصعيد محتمل، سواء عبر التأثير على حركة الملاحة الدولية أو من خلال التهديدات العسكرية المرتبطة بالممرات البحرية. كما أن السيطرة على هذا الموقع الإستراتيجي باتت جزءا من حسابات الردع الإقليمي، الأمر الذي رفع من مستوى الاهتمام الدولي بالساحة اليمنية، وربط مستقبلها بصورة أكبر بمسارات الصراع في المنطقة.

في المقابل يواجه المجلس الرئاسي اليمني، الذي يمثل الحكومة المعترف بها دوليا، تحديات شديدة التعقيد تتعلق بضعف المؤسسات، وتعدد مراكز القرار، وصعوبة فرض السيطرة الفعلية على كامل الأراضي التي يُفترض أنها تحت سلطته. ويجد هذا المجلس، الذي تشكّل في إطار محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي المناهض للحوثيين، نفسه اليوم أمام واقع أكثر تعقيدا من السابق، إذ لم تعد المشكلة فقط في إدارة الانقسام الداخلي، بل في التعامل مع تداعيات حرب إقليمية مفتوحة.

ورغم الجهود المبذولة لتعزيز الحضور المؤسسي في بعض المناطق، إلا أن قدرة المجلس على التحول إلى سلطة تنفيذية فعالة لا تزال محدودة. فالتحديات الاقتصادية، والانقسام الإداري، وغياب الاستقرار الأمني، واستمرار الخلافات بين المكونات السياسية والعسكرية، كلها عوامل تضعف فاعليته وتحد من قدرته على تقديم نموذج حكم مستقر وقادر على استعادة الثقة الشعبية.

كما أن الحكومة المعترف بها دوليا تواجه معضلة إضافية تتمثل في صعوبة تحويل الشرعية السياسية والدعم الدولي إلى نفوذ فعلي على الأرض. فغياب السيطرة الكاملة، إلى جانب تعدد مراكز النفوذ المحلي والإقليمي، جعل من الصعب بناء مؤسسات موحدة أو إطلاق إصلاحات اقتصادية وإدارية قادرة على معالجة الانهيار المتواصل في الخدمات والأوضاع المعيشية.

في المقابل يستفيد الحوثيون من حالة الفراغ المؤسسي والانقسام السياسي لتثبيت سلطتهم في الشمال، معتمدين على شبكة واسعة من السيطرة الأمنية والإدارية، إلى جانب خطاب سياسي يركز على البعد الإقليمي للصراع. هذا الخطاب يربط بصورة مباشرة بين التطورات في اليمن والتحولات في المنطقة، خصوصا في سياق المواجهة المستمرة بين إيران وخصومها.

ومع استمرار الحرب الإقليمية، أصبح من الواضح أن موازين القوى داخل اليمن لم تعد تُحدد فقط من خلال المعارك المحلية أو الحسابات الداخلية، بل باتت مرتبطة بدرجة كبيرة بالتطورات الخارجية. فكل تصعيد إقليمي ينعكس مباشرة على الداخل اليمني، سواء من حيث مستوى التوتر العسكري، أو من حيث إعادة توزيع النفوذ بين الأطراف المختلفة.

كل تصعيد إقليمي ينعكس مباشرة على الداخل اليمني، من حيث مستوى التوتر العسكري وكذلك إعادة توزيع النفوذ بين المتصارعين

وفي هذا السياق لعبت الضربات الجوية التي استهدفت مواقع الحوثيين خلال عام 2025 دورا مهما في إعادة تشكيل إستراتيجيتهم العسكرية. فقد أدت هذه الضربات إلى إضعاف بعض البنى التحتية الحيوية، بما في ذلك مطار صنعاء وميناء الحديدة، ما دفع الجماعة إلى إعادة تقييم خياراتها العملياتية، والتركيز بصورة أكبر على تعزيز الدفاعات الداخلية، وتطوير قدرات أكثر مرونة وأقل عرضة للاستهداف المباشر.

وعلى الرغم من هذه الخسائر، لم تفقد الجماعة قدرتها على التأثير في المعادلة الإقليمية. بل يبدو أنها أصبحت أكثر ارتباطا بالتفاعلات الكبرى في المنطقة، ما يجعل أي تطور في مسار الحرب الإقليمية ينعكس عليها بصورة مباشرة، سواء من حيث مستوى التصعيد أو طبيعة التموضع السياسي والعسكري.

وما يزيد من تعقيد المشهد أن اليمن لم يعد ساحة صراع مغلقة، بل أصبح جزءا من منظومة إقليمية مفتوحة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الاعتبارات الجيوسياسية والاقتصادية. وجعل هذا التداخل من الصعب فصل الديناميكيات الداخلية عن التطورات الخارجية، بحيث أصبح أي تغيير في ميزان القوى الإقليمي ينعكس مباشرة على المشهد اليمني، وعلى حسابات مختلف الأطراف المحلية.

وفي ظل هذا الواقع يبدو اليمن كأنه دخل مرحلة “إعادة تشكيل مفتوحة”، حيث لا توجد معادلات ثابتة أو توازنات مستقرة، بل حالة مستمرة من التحول في موازين القوى. فالأطراف المختلفة، سواء كانت محلية أو مرتبطة بالسياق الإقليمي، تعيد باستمرار تقييم مواقعها وإستراتيجياتها وفقا للتطورات المتسارعة في المنطقة.

كما أن استمرار الحرب الإقليمية يفرض قيودا إضافية على إمكانية التوصل إلى تسوية داخلية مستقرة، لأنه يجعل من اليمن جزءا من حسابات أكبر تتجاوز حدوده الوطنية. وهذا ما يفسر تعثر معظم المبادرات السياسية السابقة، التي اصطدمت دائما بحقيقة أن القرار اليمني لم يعد منفصلاً بالكامل عن التوازنات الإقليمية والدولية.

وفي المحصلة، يمكن القول إن اليمن لم يعد مجرد ساحة حرب أهلية تقليدية، بل تحول إلى جزء من نظام إقليمي مضطرب يعاد تشكيله بصورة مستمرة. ومع استمرار التصعيد بين إيران وخصومها، تبقى موازين القوى داخل اليمن عرضة للتغير الدائم، في ظل غياب أفق واضح لتسوية سياسية شاملة أو لاستقرار عسكري قريب.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبدو اليمن مرشحا للبقاء لفترة طويلة ضمن دائرة التأثر المباشر بالصراعات الإقليمية الكبرى، بما يجعل مستقبله مرتبطا ليس فقط بما يجري داخله، بل أيضا بمسار إعادة تشكيل الشرق الأوسط كله.

اضف تعليقك