أوروبا تقرأ مستقبلها الأمني في ضباب الموقف الأمريكي

2026/05/22م

(عاد/ لبنان) متابعات:

تحركات أمريكية متبانية داخل حلف “الناتو”، تثير قلق الحلفاء في الجانب الآخر من الأطلسي، وتفتح الباب أمام “استقلالية دفاعية” في أوروبا.

رأى خبراء سياسيون فرنسيون، أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) يمر بمرحلة دقيقة من إعادة التقييم الاستراتيجي، في ظل مؤشرات متزايدة على تغير المزاج الأمريكي تجاه الالتزامات الأمنية في أوروبا وكذلك التوترات في الشرق الأوسط.

وتأتي هذه التطورات بعد تصريحات وتحركات مفاجئة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما دفع الدول الأوروبية إلى محاولة قراءة ملامح السياسة الأمريكية الجديدة، وسط تساؤلات حول مستقبل الانتشار العسكري الأمريكي داخل القارة.

وقال الدكتور كاميل غراند، الباحث في العلاقات الدولية في معهد الدراسات السياسية في باريس والمتخصص في دراسات حلف شمال الأطلسي لـ”العين الإخبارية”، إن ما يحدث داخل “الناتو” يشير إلى ما وصل إليه الأمر من تغيير عميق في العقيدة الاستراتيجية الأمريكية.

وأوضح غراند أن “الولايات المتحدة لم تعد ترى في أوروبا أولوية أمنية مطلقة كما في السابق، بل أصبحت تميل إلى إعادة توزيع مواردها نحو مناطق أخرى مثل آسيا والمحيط الهادئ”.

وأضاف الباحث الفرنسي، أن إرسال قوات إلى بولندا لا يعني بالضرورة تعزيز الالتزام، بل قد يكون جزءًا من “إعادة تموضع تكتيكي” يهدف إلى الضغط على الحلفاء الأوروبيين لزيادة إنفاقهم الدفاعي.

وأكد غراند، أن هذا الغموض الأمريكي يضع أوروبا أمام اختبار حقيقي لبناء استقلالها الدفاعي، مشيرًا إلى أن “الاعتماد الكامل على واشنطن لم يعد خيارًا مضمونًا”.

“غموض أمريكي”
وذكرت محطة “تي في 5 موند” الفرنسية، أن الدول الأوروبية الأعضاء في حلف “الناتو” تشهد حالة من الارتباك بعد الإعلانات الأخيرة الصادرة عن البيت الأبيض بشأن الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا.

وخلال اجتماع لوزراء خارجية دول الحلف في مدينة هيلسينغبورغ السويدية، أعربت وزيرة الخارجية السويدية ماريا مالمر ستينيرغارد عن هذا الارتباك، واصفة الوضع بأنه “مربك” ويصعب فهم توجهاته بشكل واضح.

وجاء هذا التوتر بعد إعلان دونالد ترامب إرسال نحو 5 آلاف جندي إضافي إلى بولندا، عقب قرار سابق بسحب عدد مماثل من القوات الأمريكية من ألمانيا، ما أثار تساؤلات حول طبيعة هذه التحركات: هل هي إعادة تموضع أم بداية انسحاب تدريجي؟

بدوره، قال الباحث الفرنسي المتخصص في الأمن الأوروبي بمركز الدراسات الاستراتيجية في باريس فرنسوا هيزبرج، لـ”العين الإخبارية”، إن “السياسة الأمريكية الحالية تتسم بالتناقض؛ فهي تجمع بين تقليص الالتزامات من جهة، وإرسال إشارات عسكرية قوية من جهة أخرى”.

وأوضح هيزبرج، أن هذا التناقض يخلق حالة من عدم اليقين داخل “الناتو”، ويؤثر على تماسك الحلف، مشيراً إلى أن إرسال قوات إلى بولندا يهدف إلى طمأنة دول أوروبا الشرقية في حين أن سحب القوات من ألمانيا يبعث برسالة مقلقة لبقية الحلفاء.

واعتبر هيزبرج أن هذا التباين يعكس غياب استراتيجية أمريكية متماسكة تجاه أوروبا.

وحذر هيزبرج من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى “تفكك تدريجي في الثقة داخل الحلف”، ما لم يتم التوصل إلى رؤية مشتركة جديدة.

ردود الفعل
بدوره، رحب الأمين العام للحلف مارك روته، بالإعلان الأمريكي، في حين اعتبر وزير الخارجية البولندي، أن “النهاية كانت جيدة”، في إشارة إلى تأكيد نشر القوات في بلاده.

في المقابل، شددت دول أوروبية أخرى على ضرورة أن يتم أي تقليص للوجود الأمريكي بشكل منظم، يسمح لأوروبا بتعزيز قدراتها الدفاعية دون مفاجآت.

تأتي هذه التطورات في سياق توتر أوسع بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، خاصة بعد رفض بعض الدول الأوروبية المشاركة في العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط.

وأشار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، إلى أن مواقف ترامب تعكس “خيبة أمل” من بعض الحلفاء، ما يعكس بوضوح أن الخلافات السياسية تؤثر بشكل مباشر على التنسيق العسكري داخل “الناتو”.

اضف تعليقك