(عاد/ بيروت) متابعات:
أطلق اتحاد الصحفيين والصحفيات في لبنان، بالتعاون مع نقابة الاختصاصيين في العمل الاجتماعي، دليلاً إرشادياً جديداً لتنظيم آليات إجراء المقابلات الإعلامية مع النازحين أثناء الحروب والنزاعات المسلحة.
وجاء الإعلان عن هذه الوثيقة المرجعية خلال مؤتمر صحفي عُقد في مقر وزارة الشؤون الاجتماعية ببيروت، وسط نقاشات عامة متصاعدة حول انتهاك خصوصية الضحايا والسعي وراء الإثارة الإعلامية على حساب الكرامة الإنسانية.
وتواجه الأطقم الصحافية الميدانية في لبنان تحديات مهنية وأخلاقية حادة مع تدفق أكثر من مليون نازح جراء تصاعد العمليات العسكرية. ولم تقتصر هذه الصعوبات على المخاطر الأمنية المباشرة في مواقع القصف، بل شملت انتشار ظاهرة تحويل معاناة العائلات الفارة إلى محتوى إعلامي يسعى وراء المشاهدات والتفاعل الرقمي على حساب الكرامة الإنسانية.
وفتحت الحرب الدائرة في لبنان بازاراً إعلامياً ورقمياً واسعاً، تحولت فيه قصص النزوح والدموع إلى سلعة جاذبة لنسب المتابعة ونيل الإعجابات على منصات التواصل الاجتماعي. ولم يعد المشهد الميداني مجرد توثيق لمعاناة إنسانية تفرضها آلة الحرب، بل تحول في كثير من الأحيان إلى ساحة استعراضية يتسابق فيها مراسلون وصناع محتوى لانتزاع اللقطات الأكثر مأساوية وإحراجاً من ضحايا فقدوا منازلهم وأقاربهم في لحظات خاطفة
ويعكس هذا التكالب الرقمي أزمة أخلاقية عميقة تعيشها غرف الأخبار والمنصات الرقمية، حيث تراجعت الضوابط المهنية أمام بريق “الترند” وأرقام التفاعل المليونية. ويتجلى هذا الواقع في ملاحقة الكاميرات لدموع الأطفال وعيون الأمهات المفجوعات داخل مراكز الإيواء أو على أرصفة الشوارع، وتوجيه أسئلة استدراجية ومستفزة تبحث عن الإثارة العاطفية البحتة، دون أي مراعاة للصدمة النفسية الحادة التي يمر بها الشخص المستجوب.
وزاد من خطورة هذا البازار تداخل العمل الإغاثي بالاستعراض الرقمي، إذ عمد بعض المؤثرين والجهات إلى اشتراط تصوير النازحين وتوثيق ملامح انكسارهم مقابل تقديم مساعدات عينية أو وجبات غذائية. هذا الاستغلال الممنهج لحاجة العائلات وفترة ضعفها القسري يضع كرامة الإنسان في كفة والمشاهدات في كفة أخرى، مما يحول مأساة التهجير من قضية وطن إلى مجرد محتوى تجاري ومادة للتسلية الرقمية.
وأظهرت المتابعات الميدانية لوزارة الشؤون الاجتماعية ونقابة الأخصائيين الاجتماعيين أن السباق نحو الفوز بنسب المشاهدة العالية تسبب في انزلاق التغطيات الإنسانية من توثيق المعاناة إلى استغلال الهشاشة البشرية، مما حوّل القصص الشخصية الصادمة إلى مادة استعراضية وتجارية عبر الفضاء الرقمي.
وأوضحت لجان الرصد الأكاديمي والاجتماعي أن هذا النمط من التغطية العشوائية يسقط في فخ “إعادة إنتاج الصدمة”، حيث يجد الضحية نفسه مجبراً تحت وطأة الخوف والحاجة على استرجاع تفاصيل ليلة الهروب أو لحظة انهيار منزله أمام الكاميرا.
وتتضاعف حالة الإحراج عندما يجري تداول هذه الفيديوهات بشكل واسع كـ”ترند” على منصات التواصل الاجتماعي، مما يتسبب في وصم الأسر النازحة أو إظهارها في مواقف مهينة تلازمها لفترات طويلة حتى بعد انتهاء الحرب.
ولتدارك هذا الانزلاق المهني في غرف الأخبار، أطلقت وزارة الشؤون الاجتماعية بالتعاون مع اتحاد الصحفيين والصحفيات ونقابة الاختصاصيين في العمل الاجتماعي “الدليل الإرشادي لإجراء مقابلات مع النازحين والنازحات خلال النزاعات والحروب”، بهدف وضع أطر توازن بين توثيق الوقائع وحفظ الخصوصية.
ويأتي هذا الإطار الميداني كاستجابة مباشرة لغياب المعايير الواضحة داخل العديد من القنوات والمنصات المحلية، مما جعل كرامة النازحين خاضعة لتقديرات فردية غير منضبطة وفقاً لتقارير رصدتها مؤسسة مهارات الإعلامية.
























