(عاد/ بروكسل) متابعات:
بات ملف سلاح المليشيات في العراق العقدة الأكثر حساسية في مسار تشكيل الحكومة الجديدة.
يأتي هذا وسط ضغوط أمريكية متصاعدة لإخضاع الفصائل المسلحة لسلطة الحكومة العراقية، وتحذيرات من عقوبات اقتصادية وسياسية قد تطول بغداد إذا فشلت في تفكيك نفوذ الجماعات الموالية لإيران.
ومع بدء رئيس الوزراء المكلف علي فالح الزيدي مشاوراته لتشكيل الحكومة، تتسارع التحركات الأمريكية السياسية والأمنية باتجاه بغداد، في وقت تحاول فيه القوى الشيعية الحاكمة تجنب انفجار داخلي قد تسببه أي مواجهة مباشرة مع الفصائل المسلحة.
وتكشف المعطيات السياسية المتداولة داخل العراق أن ملف «حصر السلاح بيد الدولة» لم يعد مجرد مطلب داخلي أو شعار حكومي، بل تحول إلى شرط أمريكي مباشر مرتبط بمستقبل العلاقة بين بغداد وواشنطن، وبمستوى الدعم الاقتصادي والسياسي الذي قد تحصل عليه الحكومة المقبلة.
زيارات أمريكية مرتقبة.. ورسائل حاسمة لبغداد
وبحسب مصادر سياسية مقربة من رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، فإن بغداد تستعد خلال الأيام المقبلة لاستقبال مسؤولين أمريكيين بارزين لبحث مستقبل العلاقة الأمنية بين البلدين، وفي مقدمة الملفات المطروحة سلاح الفصائل المسلحة.
وقالت المصادر لـ«العين الإخبارية» إن الزيدي أبلغ قادة «الإطار التنسيقي»، خلال اجتماع عقد مساء الأربعاء في مكتب زعيم تحالف الأساس العراقي محسن المندلاوي، أن المبعوث الأمريكي توم براك سيصل إلى بغداد السبت المقبل لعقد سلسلة لقاءات سياسية وأمنية.
كما كشفت المصادر عن زيارة مرتقبة الإثنين المقبل للمدير الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سي آي إيه» والقائد السابق لقوات التحالف الدولي في العراق الجنرال ديفيد بترايوس، في مؤشر على تصاعد الاهتمام الأمريكي بملف تشكيل الحكومة العراقية الجديدة وتوازناتها الأمنية.
وترى مصادر سياسية عراقية أن هذه التحركات تعكس رغبة واشنطن في إعادة رسم قواعد علاقتها مع بغداد، بعد أشهر من التوترات الإقليمية والتصعيد الأمني الذي شهدته المنطقة.
واشنطن تلوّح بالعقوبات والدولار
وتقول المصادر إن الإدارة الأمريكية أبلغت القوى السياسية العراقية بشكل غير مباشر أن الحكومة المقبلة لن تحظى بدعم واشنطن إذا فشلت خلال ستة أشهر في حسم ملف سلاح المليشيات الشيعية الموالية لإيران.
وبحسب المصادر، فإن التهديدات الأمريكية لا تتوقف عند الجانب السياسي، بل تشمل فرض عقوبات مالية وتشديد القيود على وصول الدولار إلى العراق، في حال استمرار نفوذ الفصائل المسلحة خارج إطار الدولة.
ويعكس هذا التصعيد الأمريكي حجم القلق من استمرار وجود جماعات مسلحة مرتبطة بطهران تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً واسعاً داخل العراق، خصوصاً بعد الهجمات التي تعرضت لها مصالح أمريكية خلال السنوات الماضية.
ترامب يدخل على الخط
وكشفت المصادر أن الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، بوساطة المبعوث الأمريكي توم براك في 30 أبريل/نيسان الماضي، ركز بشكل أساسي على ضرورة نزع سلاح المليشيات ومنع الفصائل المسلحة من المشاركة في الحكومة المقبلة.
ووفق المصادر، فإن ترامب حدد خمس جماعات شيعية مسلحة طالب بعدم إشراكها في حكومة الزيدي، رغم امتلاك بعضها تمثيلاً برلمانياً.
وتشمل هذه الجماعات:
حركة حقوق، الجناح السياسي لكتائب حزب الله العراق.
كتلة “منتصرون”، المرتبطة بكتائب سيد الشهداء بزعامة أبو آلاء الولائي.
تحالف خدمات، المرتبط بكتائب الإمام علي بقيادة شبل الزيدي.
حركة سومريون، الجناح السياسي لكتائب جند الإمام.
حركة النجباء بقيادة أكرم الكعبي، التي قاطعت العملية السياسية.
ويشير هذا الموقف إلى توجه أمريكي لفصل العمل السياسي عن النشاط المسلح، في محاولة لإعادة صياغة المشهد العراقي وفق معادلة تقلص نفوذ الفصائل المرتبطة بإيران.
«الإطار التنسيقي» يبحث تسوية داخلية
في المقابل، بدأت قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي تكثيف اجتماعاتها لبحث صيغة سياسية وأمنية تعالج ملف السلاح دون التسبب بصدام داخلي.
وتشير المصادر إلى وجود نقاشات متقدمة داخل الإطار بشأن إعداد مشروع قانون لـ«حصر السلاح بيد الدولة»، بالتوازي مع محاولة بلورة تفاهمات سياسية تضمن احتواء الفصائل المسلحة وإدماج بعضها ضمن مؤسسات الدولة.
لكن بعض القوى السياسية الشيعية لا تزال ترفض أي خطوات تتعلق بتسليم السلاح خارج إطار تسوية عراقية داخلية شاملة، تراعي التوازنات الحساسة داخل البيت الشيعي وتحافظ على نفوذ القوى المسلحة في العملية السياسية.
وبحسب الرؤية المتداولة داخل هذه الأوساط، فإن الهدف يتمثل في تنظيم السلاح تدريجياً ومنع حدوث مواجهة داخلية، مع الحفاظ على استقرار النظام السياسي القائم.
فصائل ترفض
ورغم الضغوط الأمريكية، لا تبدو الفصائل المسلحة مستعدة للتراجع عن سلاحها.
فقد أعلن زعيم حركة النجباء أكرم الكعبي، الأربعاء، رفضه القاطع لأي حديث عن تسليم السلاح، مؤكداً أن «سلاح المقاومة خط أحمر ولن يُسلَّم مهما كانت الضغوط».
واتهم الكعبي، في بيان، الولايات المتحدة بالسعي لاستهداف الفصائل المسلحة في العراق، داعياً تلك الجماعات إلى رفض أي نقاش يتعلق بنزع السلاح.
ويعكس هذا الموقف حجم التعقيد الذي يحيط بالملف، خصوصاً أن الفصائل المسلحة تعتبر نفسها جزءاً مما يسمى «محور المقاومة» المرتبط بإيران، وترى في أي محاولة لنزع سلاحها استهدافاً مباشراً لنفوذها السياسي والعسكري.
ضغوط مالية وأمنية متصاعدة
وفي سياق متصل، صعدت واشنطن ضغوطها على قادة الفصائل العراقية، بعدما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية تخصيص مكافآت مالية تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن شخصيات عراقية تتهمها الولايات المتحدة بالارتباط بإيران والمشاركة في هجمات ضد مصالح أمريكية داخل العراق.
كما تلقى رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي سلسلة اتصالات من مسؤولين أمريكيين، أبرزها اتصال من الرئيس دونالد ترامب، الذي هنأه بتكليفه رسمياً ودعاه إلى زيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة.
وأعقب ذلك اتصال من وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، جرى خلاله بحث تعزيز التعاون الأمني وإعادة تفعيل برامج التدريب العسكري للقوات العراقية ضمن اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين البلدين.
معركة النفوذ في العراق
ويرى مراقبون أن الحكومة العراقية الجديدة ستكون أمام اختبار بالغ التعقيد، يتمثل في كيفية الموازنة بين مطالب واشنطن بتقليص نفوذ المليشيات، وبين الحفاظ على التوازنات السياسية الداخلية وعدم الدخول في صدام مع الفصائل المسلحة المدعومة من إيران.
ويؤكد هؤلاء أن ملف السلاح بات يمثل جوهر الصراع على مستقبل العراق، باعتباره مرتبطاً بطبيعة النظام السياسي نفسه، وبمستوى النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة العراقية.
وفي ظل استمرار الضغوط الأمريكية وتصاعد التوترات الإقليمية، تبقى الأنظار متجهة نحو قدرة بغداد على التعامل مع هذا الملف شديد الحساسية، دون الانزلاق إلى أزمة داخلية قد تهدد الاستقرار السياسي والأمني في البلاد.























