“ما بيشبهونا”.. نجاح شاب وموت آخر مرآة تعكس انقساماً لبنانياً حاداً

2026/05/07م

(عاد/ لبنان) متابعات:

في الوقت الذي كان فيه مراهق لبناني يرفع كأساً ذهبية على منصة تتويج في فرنسا، كان مراهق آخر من جيله يُحمل على الأكتاف في نعش بقرية حدودية جنوبي لبنان، في مفارقة لم تمر كحدث عابر، بل فجرت انقساماً حاداً علة مواقع التواصل الاجتماعي كشف عن هوية وطنية ممزقة بين طموح “العالمية” وواقع “المواجهة”.

وانطلق هذا السجال من صورة مركبة انتشرت كالنار في الهشيم، جمعت بين كريستوفر فغالي، بطل سباقات “يوروكاب 3” الناشئ، وعبد المنعم جمال، الشاب الذي نُعي كفدائي تابه لحزب الله سقط في المواجهات العسكرية المستمرة مع اسرائيل، مما جعل من جسدي الشابين ساحة لمعركة سياسية واجتماعية حول “لبنان الذي يمثلنا”.

وبالنسبة لقطاع واسع من اللبنانيين، يمثل فغالي “وجه الأمل” والنموذج الذي يطمحون إليه؛ الشاب الموهوب الذي يثبت قدرة اللبناني على غزو الساحات الدولية رغم الانهيار الاقتصادي، وهو ما تجلى في الاحتفاء الرسمي الواسع وتهنئة الرئاسة اللبنانية التي اعتبرت نجاحه “بصيص نور”.

وعلى الجانب الآخر، يرى مؤيدو خيار “المقاومة” في جمال بطلاً وجودياً، معتبرين أن الانتصارات الرياضية لا قيمة لها دون أرض محمية، وهو ما أعاد إحياء شعارات إقصائية مثل “ما بيشبهونا”، التي تعكس الفجوة العميقة بين رؤية تنشد الرفاهية والانفتاح، وأخرى ترى في التضحية العسكرية ضرورة لا تسبقها أولوية.

وفي هذا السياق، دخلت الميديا البديلة والمنصات المستقلة على خط المواجهة بنبرة نقدية حاولت تفكيك “الفقاعات” الاجتماعية، حيث أشارت تقاريرها إلى أن المقارنة بحد ذاتها تنطوي على “لا عدالة” في الفرص، إذ وُلد فغالي في بيئة أتاحت له الحلبات العالمية، بينما وُلد جمال في بيئة حدودية محكومة بصراع الوجود، مما يجعل خياراتهما انعكاساً للجغرافيا والظروف الطبقية أكثر من كونها مجرد خيارات شخصية.

وانتقدت هذه المنصات كيف يقتات النظام اللبناني على هذه الثنائيات، مستخدماً نجاح فغالي كقشرة تجميلية لغياب الدولة، وتضحية جمال لتكريس شرعية السلاح، دون تقديم مشروع دولة حاضنة للجميع.

وقد لعب الإعلام التقليدي والمنصات الحزبية دوراً محورياً في هندسة هذا الاستقطاب وتأجيجه، حيث لم يُكتفَ بنشر الخبرين كواقعين منفصلين، بل وُضعا عمداً في إطار “المبارزة الصفرية” التي توحي بأن الاحتفاء بأحدهما يتطلب إدانة الآخر.

وساهم التجييش الإعلامي في تحويل البطولة الفردية إلى مادة للتحريض، مستفيداً من خوارزميات التواصل الاجتماعي التي ترفع من شأن المحتوى الجدلي لزيادة المشاهدات، مما حول الوسائل الإعلامية إلى “غرف صدى” تكرس الانقسام بدلاً من الحوار.

وتبنت قناة أم.تي.في خطاباً يركز على الاحتفاء بكريستوفر فغالي كرمز لـ “لبنان الحقيقي”

ولبنان المبدع الذي يرفض الاستسلام للحروب. من خلال تغطيتها، قدمت القناة فوز فغالي في بطولة “يوروكاب 3” كفعل مقاومة حضاري، واستخدمت عبارات مثل “بصيص أمل” و”رفع اسم لبنان عالياً”.

وفي سياق السجال، مال ضيوفها ومحللوها إلى انتقاد زج الشباب في صراعات إقليمية، معتبرين أن نموذج فغالي هو “ثقافة الحياة” التي يجب أن تسود، في تلميح ضمني أو صريح يعارض نموذج “المقاومة المسلحة” الذي يمثله جمال.

والوسائل المحسوبة على خط المقاومة على نعي عبد المنعم جمال كبطل بذل دمه لحماية الأرض. لم تهاجم القناة الإنجاز الرياضي بحد ذاته، لكنها وضعت “البطولة العسكرية” في مرتبة أعلى، معتبرة أن تضحيات الشباب في الجنوب هي التي تمنح لبنان السيادة التي تسمح لأي مواطن آخر بالنجاح عالمياً. واتسم خطابها بالتركيز على قيم “العزة والشهادة”، وصورت السجال المثار حول فغالي كمحاولة “للتغطية” على الواقع الأمني والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة.

اضف تعليقك