أفغانستان تتخلى عن كنز مقابل عقود قصيرة الأجل.. تحول مثير للقلق

2026/04/29م

(عاد/ موسكو) متابعات:

تشهد أفغانستان تحولًا اقتصاديًا مثيرًا للقلق مع تسارع عمليات تصدير ثرواتها المعدنية الخام إلى الخارج.

يأتي ذلك في وقت تُحرم فيه البلاد من الاستفادة الحقيقية من القيمة المضافة لهذه الموارد، وهو ما يثير مخاوف من “تصفية تدريجية” لواحد من أهم أصولها الاستراتيجية في المستقبل.

وتشير تقارير تحليلية إلى أن البلاد، التي تمتلك أحد أغنى الاحتياطيات العالمية من المعادن الحرجة مثل الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة والنحاس والكوبالت، تقوم فعليًا بتصدير هذه الموارد في أدنى مراحل السلسلة الإنتاجية، ما يمنح أطرافًا خارجية السيطرة على عمليات المعالجة والتسعير وسلاسل القيمة اللاحقة.

تعاقدات قصيرة الأجل
ونقل تقرير نشره موقع “ذي انتربريتر” عن خبراء أن ما يحدث ليس مجرد ضعف إداري أو نتيجة طبيعية لعقود من الصراع وعدم الاستقرار، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات تعاقدية قصيرة الأجل تركز على العائد السريع بدلا من بناء قطاع تعدين مستدام قادر على خلق ثروة وطنية طويلة المدى.

وفي ظل هذا النهج، يتم استخراج الخام من المناجم ونقله مباشرة إلى الخارج دون تطوير صناعات تحويلية داخل البلاد، وهو ما يحرم الاقتصاد الأفغاني من فرص العمل والاستثمار والتطوير التكنولوجي.

ووفق تقديرات جيولوجية دولية، تمتلك أفغانستان نحو 90 موقعًا معدنيًا موثقًا، أكثر من 30 منها يُصنف ضمن “المعادن الحرجة” ذات الأهمية الكبرى للاقتصاد العالمي الحديث، خاصة في مجالات الطاقة المتجددة وصناعة البطاريات وأشباه الموصلات.

لكن بدلًا من تحويل هذه الثروة إلى قاعدة صناعية، يتم التعامل معها كسلعة خام سريعة التصدير، في ظل عقود تعدين وُصفت بأنها تفتقر للشفافية وتخضع لرقابة محدودة، مع تركيز واضح على تحقيق إيرادات فورية للسلطات القائمة.

وتتولى شركات أجنبية، خصوصًا من الصين إلى جانب إيران وباكستان وتركيا، عمليات الاستخراج، بينما يتم تصدير الخام دون استثمار يُذكر داخل أفغانستان. ويترك هذا النمط البلاد في مواجهة عوائد مالية محدودة، مقابل أضرار بيئية وتدهور طويل الأمد في المناطق التعدينية.

استفادة اللاعب الأكبر
ويؤكد محللون أن الصين، التي تُعد اللاعب الأكبر في سوق المعادن العالمية، استفادت بشكل كبير من هذا النموذج، إذ تهيمن بالفعل على قدرات المعالجة والتكرير العالمية للمعادن الحرجة، ما يمنحها نفوذًا واسعًا في تسعير هذه المواد والتحكم في سلاسل الإمداد الدولية.

وفي الوقت الذي تستخدم فيه الدول الكبرى المعادن كأداة استراتيجية في صراعاتها الاقتصادية والتكنولوجية، تبدو أفغانستان خارج هذه المعادلة، مكتفية بتصدير المواد الخام دون أي قدرة على التأثير في السوق العالمية.

وتظهر دراسات أن هذا النمط يعيد إنتاج ما يشبه “الاعتماد الهيكلي”، حيث تصبح الدولة مصدّرًا للمواد الأولية فقط، بينما تتراكم القيمة المضافة في الخارج، وهو ما يرسخ تبعية اقتصادية طويلة الأمد ويقلص فرص التنمية الصناعية.

وتتضمن الأمثلة على هذا التوجه عقودًا لتصدير الزنك والرصاص والأنتيمون دون معالجة محلية، إضافة إلى مشاريع تعدين كبرى لم يتم استكمالها أو تم تشغيلها جزئيًا دون تحقيق فوائد تنموية حقيقية. كما تشير تقارير إلى استمرار تعثر مشاريع استراتيجية مثل منجم النحاس في “آينك”، الذي كان يُفترض أن يكون أحد أكبر مشاريع التعدين في البلاد.

فقدان ثروة محتملة
ويحذر خبراء الاقتصاد من أن استمرار هذا النموذج سيؤدي إلى فقدان أفغانستان لأهم عناصر قوتها المستقبلية، إذ إن المعادن الحرجة أصبحت اليوم في قلب التحولات العالمية في الطاقة والتكنولوجيا والدفاع، ما يجعل التحكم في سلاسل إنتاجها عنصرًا حاسمًا في النفوذ الاقتصادي العالمي.

وفي ظل غياب استراتيجية وطنية واضحة لإدارة هذا القطاع، تتجه البلاد نحو فقدان السيطرة على أهم مواردها الطبيعية، مع تحويلها إلى اقتصاد يعتمد على تصدير الخام منخفض القيمة، بدل بناء صناعة متكاملة قادرة على خلق ثروة مستدامة.

اضف تعليقك