المدنيون تحت القصف.. جيش السودان ينفذ «استهدافات ممنهجة» والمحاسبة غائبة

2026/03/24م

(عاد| الرياض) متابعات:

هجمات متكررة على المؤسسات الصحية، وانتهاكات ممنهجة تطول المدنيين، تحرك مطالبات المساءلة وتبرز التحالفات مع مليشيات الإرهاب في السودان.

سياق يعكس تحول الضحايا المدنيين إلى “أضرار جانبية”، والمستشفيات إلى “أهداف عسكرية”، في حرب أحالت البلاد ساحة اختبار للأسلحة المختلفة، وميدان تدريب لمليشيات إرهابية مرتبطة بتنظيم الإخوان، دون محاسبة أو تحرك دولي، وفق مراقبين.

وشنّ الجيش السوداني، الإثنين، غارة على أحياء سكنية في مدينة لقاوة بولاية غرب كردفان، ما أسفر عن مقتل أكثر من 17 شخصًا وإصابة نحو 25 آخرين، وفق حصيلة أولية.

وجاء هذا الهجوم بعد أيام فقط من مجزرة مروعة ارتكبها الجيش عبر قصف مستشفى الضعين التعليمي في شرق دارفور، والتي أودت بحياة 64 شخصًا على الأقل، بينهم أطفال وكوادر طبية ونساء، وأدت إلى خروج المستشفى بالكامل عن الخدمة، في واحدة من أعنف الضربات التي طالت القطاع الصحي منذ اندلاع الحرب، وفق ما نقلته صحيفة غارديان البريطانية.

وكتب المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبرييسوس مساء السبت، على “إكس”: “تحقّقت منظمة الصحة العالمية من هجوم جديد على مرافق الرعاية الصحية في السودان. هذه المرة، استُهدف مستشفى الضعين التعليمي في عاصمة شرق دارفور، ما أسفر عن مقتل 64 شخصا على الأقل، بينهم 13 طفلا، وممرضتان، وطبيب واحد، وعدد من المرضى”.

وندّد بـ”إهراق الدماء”، داعيا إلى وضع حد للنزاع في السودان وضمان حماية المدنيين والعاملين في القطاعين الصحي والإنساني.

فيما أفادت مجموعة “محامو الطوارئ” السودانية الحقوقية التي توثّق فظائع الحرب الدائرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، بأن الضربة نُفّذت “بواسطة طائرات مسيّرة تابعة للجيش” وأصابت مستشفى الضعين التعليمي، منددة بـ “مجزرة بحق المدنيين” و”تدمير وتعطيل المستشفى الذي يعتمد عليه آلاف السكان في الولاية والمناطق المجاورة”.

واعتبرت أن “استهداف المرافق الصحية انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني”، وجدّدت “دعوتها الأمم المتحدة، والمنظمات العدلية والحقوقية الدولية، الى التحرك العاجل وفتح تحقيقات مستقلة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة”.

أكثر من ألفين
وبعد الهجوم الذي تعرّض له مستشفى الضعين، ارتفع عدد القتلى في الضربات على المراكز الاستشفائية في البلد إلى أكثر من ألفين، وفق نظام ترصد الهجمات على مرافق الرعاية الصحية التابع لمنظمة الصحة العالمية.

ووفق تقرير أممي صدر في 12 مارس/آذار الجاري، قتل ما لا يقل عن 152 مدنياً جراء غارات بطائرات مسيّرة شنّتها القوات المسلحة السودانية، من بينهم ما لا يقل عن 50 مدنياً قُتلوا إثر استُهدف سوق ومستشفى في 4 مارس في المُجلد (غرب كردفان).

ولم يتوقف عند حدود قصف المؤسسات المدنية بالأسلحة الثقيلة، إذ وصل حد استخدام الأسلحة الكيماوية.

والصيف الماضي، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، بدء تنفيذ عقوبات على السودان بسبب استخدام الجيش أسلحة كيمائية خلال الحرب. فيما خلص تحقيق أجرته سكاي نيوز عربية، إلى أن الجيش استخدم الأسلحة الكيماوية، في جنوب وغرب كردفان ودارفور.

وفي هذه المناطق، كشفت فحوص لمدنيين عن ارتفاع الخلايا اللمفاوية، وزيادة تسرّب الدم، ومؤشرات التهابات متكررة، وضيق شديد في التنفس، وإغماءات واضطرابات هضمية، وحروق جلدية، ما يعكس نمطًا صحيًا متشابهًا رغم اختلاف المناطق والأعمار، بحسب التحقيق.

ويشهد السودان منذ نيسان/أبريل 2023 حربا متواصلة بين الجيش وقوات الدعم السريع، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح 11 مليونا على الأقل، وأزمة جوع ونزوح تعدّها الأمم المتحدة الأسوأ في العالم، إذ يحتاج 33 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية عاجلة.

“الإرهاب” يقود الدفة
انتهاكات ممنهجة للمدنيين إثر هجمات للجيش السوداني، “غير مبررة” وتستدعي تحقيقات ومحاسبة دولية، لكنها في الوقت نفسه تنسجم مع سياق، تحالف الجيش مع الإخوان الإرهابية من جهة، وإيران من جهة أخرى.

وتسيطر الحركة الإسلامية، ذراع الإخوان، على مراكز القرار داخل الجيش السوداني، وتوجه قياداته نحو الاستمرار في الحرب وعدم الالتفات لكل النداءات الدولية والإقليمية الداعية لإنهاءها.

كما تلعب الفصائل الإخوانية المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش السوداني، مثل “البراء بن مالك” و”البنيان المرصوص” و”الفرقان” وقوات “العمل الخاص”، دوراً بارزاً في توجيه بوصلة الجيش السوداني نحو الاستمرار في الحرب ورفض كل مبادرات السلام الدولية والإقليمية.

وفي وقت سابق، قال خبير عسكري، طالباً عدم كشف هويته لدواعٍ أمنية، لـ”العين الإخبارية” إن هذه الفصائل العسكرية الإخوانية أصبح لها دورٌ واضح في تأجيج الصراع، وهي التي تقف سداً منيعاً ضد استقلالية الجيش السوداني عن تنفيذ مشروع الحركة الإسلامية السياسي.

وأضاف أن هذه الفصائل تدرك أن الجيش السوداني بات مؤسسة ضعيفة تعاني من خلل بنيوي كبير بعد خروج قوات الدعم السريع من صفوفه، ولذلك صارت تتحكم في مسار الحرب وتُرغم قيادات الجيش على المُضي في تنفيذ أهدافها، مقابل ضمانات الولاء والتأييد المطلق للقيادات العليا في الجيش.

هذا التحالف في الداخل، يقابله تحالفا آخر في الخارج، حيث لعبت إيران دورا كبيرا في دعم الجيش السوداني.

إذ شكلت الطائرات المسيرة، والاستشارات العسكرية، والمشاريع الإيرانية القريبة من ميناء بورتسودان، عنصرا أساسيا في تعزيز قدرات قوات عبد الفتاح البرهان.

وكما وثق معهد لوري للدراسات الدولية في نهاية العام الماضي، فإن إيران كانت قد “برزت كأحد أهم الشركاء العسكريين للجيش السوداني”.

وأضاف أن “إيران كانت شريان حياة للجيش السوداني في لحظة جفت فيها مصادر دعم أخرى”.

ووفق المحلل السوداني، سيبويه يوسف، فإن هناك علاقات قديمة ممتدة بين الجيش والإخوان التي تسيطر على القرار فيه، وإيران، والاعتماد عليها بكثافة في بداية الحرب، يثبت أنها قديمة وكانت قائمة بالفعل.

ولفت في حديث إلى “العين الإخبارية”، إلى المسيرات وأدوات الحرب الإيرانية، التي يستخدمها الجيش في الحرب.

انتهاكات.. ومحاسبة غائبة
وبذلك، تحولت الحرب في السودان، إلى هجمات متكررة على المدنيين في الأسواق والمستشفيات والمناطق المأهولة.

ووفق مراقبين، لم تعد هجمات مثل تلك على مستشفى الضعين التي كانت تأوي أطفال ونساء، معزولة، بل جزء من نمط متصاعد من الهجمات على المدنيين والبنية الصحية في السودان، ولا يبنغي تجاهلها أو “معاملتها كحوادث حرب”، بل “جرائم تستوجب المساءلة”.

ويرى مراقبون، أن حماية المدنيين يجب أن تكون معيار الحكم على سلوك أي طرف، وأن أي تحرك دولي يجب أن يراعي مأساة المدنيين، ويطلق مسار للمحاسبة الدولية للجهات المسؤولة عنها، وليس مجرد الإدانة.

وقال سيبويه يوسف، في هذا السياق، “يعتبر الجيش، المدنيين، واحد من الأهداف الممنهجة من بداية هذه الحرب، باعتبارهم حواضن للدعم السريع”، مضيفا “هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها استهداف المستشفيات أو مراكز التعليم أو مصادر المياه”.

وتابع “هذا عمل يخالف القانون الدولي الإنساني.. عندما يستهدف الجيش مستشفى الضعين الذي يتكفل بعلاج ما مجموعه ٣ مليون نسمة، بالإضافة لأكثر من ١٠٠ ألف من نازحي جنوب السودان، باعتباره الضامن الصحي في هذه المنطقة”.

وأضاف “في ظل غياب إدانات دولية ورصد حقيقي لرصد منظمات حقوق الإنسان، يحاول الجيش أن يستبيح دارفور”، متابعا “سبق أن شاهدنا قصف كبير جدا في الأسواق”، متابعا “هذا نهج يستهدف المواطن”.

ومضى قائلا “يجب تفعيل قرار صادر من مجلس الأمن، يحظر الطيران في دارفور، ويعمم في السودان” لحماية المدنيين.

اضف تعليقك