(عاد/متابعات)
يواجه المجتمع الدولي تحدياً حاسماً لتأمين استمرار تدفق ما يقارب 20% من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، وسط تصاعد التوترات بين مسارين متباينين؛ الأول دبلوماسي تقوده العواصم الأوروبية عبر محاولة توسيع مهمة “أسبيدس” البحرية، والثاني عسكري تميل إليه واشنطن مع احتمال انخراط حلف شمال الأطلسي (الناتو) بموجب “المادة الخامسة” للدفاع الجماعي.
دبلوماسية “أسبيدس” الأوروبية
تسابق فرنسا وإيطاليا الزمن لفتح قنوات اتصال مباشرة مع طهران، في محاولة لاحتواء التداعيات الاقتصادية لاختناق الملاحة، بعد ارتفاع أسعار النفط إلى نحو 100 دولار للبرميل، وقفزة أسعار الغاز بنحو 75%، ما يهدد الاقتصاد العالمي بمزيد من الضغوط.
وفي هذا الإطار، يسعى الأوروبيون إلى توسيع نطاق مهمة “أسبيدس” لتشمل مضيق هرمز، بما يوفر غطاء قانونياً ودفاعياً لحماية السفن التجارية العابرة للممر الحيوي.
وتُعد “أسبيدس” (Aspides) عملية عسكرية بحرية أوروبية دفاعية أُطلقت في 19 فبراير 2024، بهدف حماية السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن من هجمات جماعة الحوثي. ووفق المعطيات المعلنة، نجحت المهمة في تأمين عبور أكثر من 1177 سفينة تجارية، مع الالتزام بطبيعتها الدفاعية البحتة دون الانخراط في ضربات أرضية.
وفي هذا السياق، صرّح وزير الدفاع الإيطالي، غيدو كروسيتو، لصحيفة “كورييري ديلا سيرا” قائلاً: “نسعى إلى توحيد صوت أوروبا ونضغط من أجل تقديم طلب رسمي للسماح لسفن الدول غير المتحاربة بالمرور عبر مضيق هرمز”، في إشارة إلى رهان أوروبي على حل دبلوماسي – قانوني يقلل من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة.
واشنطن ورهان القوة
على الجانب الآخر، تتبنى إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب نهجاً أكثر تشدداً، واضعة عبء الأمن البحري في المقام الأول على عاتق الدول المستفيدة من مرور النفط عبر مضيق هرمز.
وعبر منصات التواصل، عبّر ترامب عن هذا التوجه قائلاً: “يجب على دول العالم التي تستقبل النفط عبر مضيق هرمز أن تتولى أمر هذا الممر، وسنساعد – بشكل كبير!”، في إشارة إلى استعداد واشنطن لتوفير مرافقة عسكرية مباشرة للسفن، في إطار تحالف دولي أوسع.
هذا الطرح الأمريكي يثير تساؤلات حول شكل المشاركة الدولية، واحتمال تحوّل أي حادث أمني يستهدف سفناً غربية إلى شرارة لتصعيد أوسع، خاصة إذا دخل الناتو على الخط.
“المادة 5” وشبح الحرب
يثير الحديث عن تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في مضيق هرمز مخاوف داخل أروقة حلف شمال الأطلسي من احتمال تفعيل “المادة الخامسة” من ميثاقه، في حال تعرض سفن تابعة لدول أعضاء لهجوم مسلح.
وتُعد “المادة 5” حجر الزاوية في حلف الناتو، إذ تنص على مبدأ الدفاع الجماعي، بحيث يُعتبر أي هجوم مسلح على دولة عضو هجوماً على جميع الدول الأعضاء، ما يلزمها بتقديم المساعدة الفورية، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة لاستعادة الأمن والاستقرار.
وقد تم تفعيل هذه المادة مرة واحدة فقط في تاريخ الحلف، وذلك عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، وهو ما يعكس ثقل هذا القرار وخطورته السياسية والعسكرية.
ومع تصاعد التوتر حول مضيق هرمز، يبرز هاجس أن يؤدي أي استهداف مسلح للسفن الغربية إلى استدعاء هذه المادة، بما يعني عملياً جر الحلف بأكمله إلى مواجهة إقليمية واسعة، قد تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي بشكل عميق.
وبين ضغوط دبلوماسية تقودها باريس عبر الإليزيه للرهان على توسيع “أسبيدس” وتخفيف الاحتقان، وخيار التصعيد العسكري الذي تلوّح به واشنطن، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح الجهود الأوروبية في نزع فتيل الأزمة عبر التفاهمات والضمانات القانونية، أم أن الميدان سيفرض كلمته عبر مواجهة عسكرية قد تعيد رسم خرائط الأمن في المنطقة والعالم؟

























