وسط تصاعد التوترات الإقليمية بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، تتخذ سوريا موقف الحياد كخيار استراتيجي رئيسي يوازن بين حماية حدودها ومصالحها الوطنية.
ويؤكد خبراء سوريون أن هذا التوجه يمثل خطوة ضرورية لتفادي الانخراط المباشر في النزاعات العسكرية التي تهدد استقرار المنطقة، خصوصاً في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية المتعددة التي تواجه البلاد.
ومنذ بدء الهجمات الإسرائيلية والأميركية على إيران في 28 فبراير الماضي، شهدت المنطقة تصعيداً كبيراً شمل استهداف مواقع إيرانية في دول الخليج، وإطلاق صواريخ ومسيرات باتجاه إسرائيل، مع تهديدات مباشرة للبنية التحتية الحيوية والمصالح المدنية.
وفي هذا الإطار، عمد الجيش السوري إلى تعزيز تواجده على الحدود مع لبنان والعراق، في محاولة لمنع تهريب الأسلحة واحتواء أي تداعيات محتملة للنزاعات الإقليمية على الأراضي السورية.
ويشير الكاتب السوري علي عيد إلى أن تعزيز الحدود يأتي ضمن مسعى لمواجهة خطر تهريب الأسلحة من قبل مجموعات حزب الله والحرس الثوري، بالإضافة إلى بقايا النظام السابق.
ويضيف أن الوضع اللبناني الداخلي، خصوصاً بعد قرار الحكومة نزع سلاح حزب الله، يزيد من احتمال انتقال الفوضى إلى الأراضي السورية.
ويؤكد عيد أن التداخل الجغرافي والسياسي بين سوريا ولبنان يجعل من الحيطة والحذر ضرورة استراتيجية للحفاظ على الاستقرار الداخلي.
السياسة السورية في هذا السياق ليست مجرد موقف دفاعي، بل تتسم بالبعد الاستراتيجي، حيث تهدف دمشق إلى الحفاظ على مصالحها الوطنية من دون الانجرار إلى صراع مفتوح مع أطراف إقليمية.
ويشير الخبراء إلى أن إسرائيل، في حال نجاحها في تحقيق أهدافها تجاه إيران، قد تسعى لاستخدام فائض قوتها للضغط على دمشق وتنفيذ مخططات تهدد الأمن الداخلي، بينما يبقى الموقف الإيراني غير واضح فيما يتعلق بإمكانية توسيع دائرة الأهداف لتشمل أراضٍ مدنية في سوريا.
وفي الوقت نفسه، تحرص سوريا على التركيز على اقتصادها الداخلي والتنمية المستدامة.
ويؤكد عيد أن استمرار الحرب سيكون له آثار سلبية على الاستثمار وبرامج التعافي، خصوصاً مع تضرر البنية التحتية وحقول النفط.
ويشير إلى أن العنصر البشري يشكل اليوم أهم أصول الدولة السورية، إذ لا تمتلك دمشق قدرات جوية أو أسلحة استراتيجية قادرة على التأثير المباشر في مسار الحرب الإقليمية، ما يجعل سياسة الحياد خياراً عملياً للحفاظ على الدولة واستقرارها.
ومن جانبه، يوضح المحلل السياسي أوس أبو عطا أن التعزيز العسكري السوري للحدود مع لبنان أمر طبيعي، بالنظر إلى الرغبة الإيرانية في توسيع نطاق الصراع ليشمل عدة دول، بينها دول الخليج الست، الأردن، العراق، أذربيجان، تركيا، وقبرص الرومية.
في ظل استمرار العمليات العسكرية الإيرانية والإسرائيلية، يظل هذا التوازن الدقيق بين الحياد وحماية المصالح الوطنية عنصراً أساسياً لضمان بقاء سوريا مستقرة وقادرة على مواجهة أي تداعيات مستقبلية للصراع الإقليمي.
كما يشير أبو عطا إلى العلاقة المتوترة بين دمشق وحزب الله، التي تجعل السيطرة على الحدود أمراً حيوياً لمنع أي تصعيد قد يضر بالأمن الداخلي في جنوب البلاد.
وتشهد المناطق الجنوبية لسوريا سقوط صواريخ ومسيرات إيرانية، ما أدى إلى تعليق مؤقت للدوام المدرسي في محافظات درعا والقنيطرة والسويداء، مع تسجيل أضرار مادية في البنية التحتية والمنازل.
ويؤكد هذا الواقع الميداني أهمية الحياد السوري كاستراتيجية للحفاظ على المدنيين وحماية الأمن الداخلي دون الانزلاق في صراع مفتوح قد يهدد الدولة بأكملها.
ويضيف الخبراء أن نجاح سياسة الحياد يعتمد على القدرة على إدارة الأزمات الحدودية، مراقبة التطورات الميدانية، والحفاظ على التواصل الدبلوماسي المستمر مع الأطراف الإقليمية والدولية.
ويتيح هذا التوازن لسوريا حماية مصالحها الاستراتيجية، منع تهريب الأسلحة، والتعامل مع تداعيات النزوح اللبناني على الأمن الداخلي.
ولا تقل الأبعاد الاقتصادية للحياد السوري أهمية عن الأبعاد الأمنية. فمع استمرار التوترات الإقليمية، تواجه سوريا تحديات في تأمين وارداتها الأساسية، خصوصاً المواد الغذائية والطاقة، التي تعتمد على سلاسل توريد إقليمية ودولية قد تتأثر بالنزاعات.
ويؤكد الخبراء أن الحفاظ على الحياد يتيح لسوريا تأمين الحدود، منع الانزلاق في صراعات تؤثر على الحركة الاقتصادية، وضمان وصول الإمدادات إلى الأسواق المحلية، بما يسهم في حماية الأمن الغذائي للمدنيين.
كما يوضح عيد أن النزوح اللبناني المستمر إلى سوريا يمثل عبئاً إضافياً على البنية التحتية والخدمات العامة، ويزيد من الحاجة إلى مراقبة الحدود بدقة وفرض سيطرة صارمة على التدفق البشري.
وتضيف هذه الحركة مزيداً من التعقيدات على السياسة السورية، إذ يتطلب الحفاظ على الحياد إدارة دقيقة للموارد الداخلية والتنسيق مع المجتمع الدولي لتقديم المساعدات الإنسانية اللازمة.
و تسمح السياسة السورية القائمة على الحياد أيضاً بتجنب أي صدام محتمل مع القوى الإقليمية، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع دول الخليج، الأردن، تركيا، وأذربيجان.
ويعكس هذا التوجه الالتزام السوري بالمصالح الإقليمية، ويؤكد رغبتها في العودة إلى مكانتها الطبيعية بين جيرانها، دون الانخراط في حرب مفتوحة قد تؤدي إلى خسائر جسيمة على المستويين الأمني والاقتصادي.
ويبقى موقف دمشق نموذجاً عملياً للسياسة الواقعية في زمن الحرب الإقليمية، حيث يوازن بين حماية الحدود، الحفاظ على الأمن الداخلي، إدارة النزوح والتداعيات الاقتصادية، وضمان المصالح الاستراتيجية للبلاد.
ويعكس الحياد السوري فهم دمشق لتعقيدات المنطقة، وحرصها على استقرار الدولة في مواجهة صراع يمتد تأثيره إلى أكثر من دولة واحدة.
وفي ظل استمرار العمليات العسكرية الإيرانية والإسرائيلية، يظل هذا التوازن الدقيق بين الحياد وحماية المصالح الوطنية عنصراً أساسياً لضمان بقاء سوريا مستقرة وقادرة على مواجهة أي تداعيات مستقبلية للصراع الإقليمي.























