إيران بعد لاريجاني وخامنئي.. صراع على البقاء في ظل قيادة منقوصة

2026/03/21م

(عاد| بيروت) متابعات:

لم تكن عملية اغتيال علي لاريجاني مجرد ضربة جديدة تطال صفوف القيادة الإيرانية، بل القشة التي قصمت ظهر ما تبقى من هيكل الحكم الهش.

فبعد أسابيع قليلة فقط من مقتل المرشد علي خامنئي، أزالت هذه الضربة آخر جسر يربط بين أركان النظام الثلاثة: رجال الدين، والحرس الثوري، وحكومة الرئيس مسعود بزشكيان ذات الميول الإصلاحية.

لكن مع غياب سلطة جامعة، وتحت وابل من القصف المتواصل، تجد إيران نفسها اليوم في أضعف لحظاتها منذ عام 1979، حسب مجلة «ذا ناشيونال إنترست».

صراع الفصائل يعمق الفوضى
مع رحيل لاريجاني، في 17 مارس/آذار، الذي كان يشكل قوة استقرار وتوازن بين أجنحة النظام، عادت الخلافات بين الفصائل إلى السطح بشراسة.

فوسط ترجيحات بأن يسعى المتشددون في الحرس الثوري إلى فرض هيمنتهم تحت القيادة الاسمية لمجتبى، سيحاول رجال الدين البارزون وشخصيات مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف تعزيز مواقعهم، بحسب المجلة الأمريكية.

النتيجة هي مشهد من الفوضى المتصاعدة: توجيهات متضاربة، وشلل في اتخاذ القرار، وخطر متزايد لعمليات تطهير داخلية. فلم تعد هناك شخصية واحدة تجمع السلطة التي كان يتمتع بها خامنئي الأب، مما يجعل النظام عاجزاً عن اتخاذ قرارات حاسمة في لحظة مصيرية.

القيادة العسكرية في حالة تفكك
على الصعيد العسكري، بلغت الخسائر مدى غير مسبوق. فقد كان لاريجاني يشكل حلقة الوصل التي تنسق ما تبقى من هيكل القيادة بعد مقتل قائد الحرس الثوري محمد باكبور، ورئيس مجلس الدفاع علي شمخاني، ومعظم كبار قادة البحرية.

ومنذ أواخر فبراير/شباط، نفذت القوات الأمريكية والإسرائيلية عشرات الضربات الدقيقة التي دمرت القدرات التقليدية الإيرانية: البحرية، والدفاعات الجوية، ومواقع إنتاج الصواريخ. ما تبقى اليوم هو وحدات متفرقة من الحرس الثوري تعمل وفق خطط طوارئ وضعت قبل الحرب، في غياب أي قيادة موحدة.

مضيق هرمز: نقطة الضعف الأخيرة
يتجلى هذا التشرذم بوضوح في مضيق هرمز، آخر أوراق النفوذ القوية المتبقية في يد إيران. فبينما كان لاريجاني يرسم استراتيجية مرنة للتعامل مع المضيق – جعله “طريق سلام وازدهار” للحلفاء و”مضيق هزيمة” للخصوم – باتت وحدات الحرس الثوري اليوم تتصرف باندفاع وبدون تنسيق مركزي.

وتشمل هذه التصرفات استخدام الزوارق السريعة بأعداد كبيرة، وشن غارات بطائرات مسيرة على ناقلات النفط التجارية، وزرع خلايا مستقلة للألغام دون موافقة من القيادة العليا. كل هذه العوامل تزيد من احتمالية سوء التقدير، وتجعل أي محاولة لخفض التصعيد أكثر تعقيداً وخطورة.

تحالف دولي يضيق الخناق
في موازاة ذلك، نجحت الولايات المتحدة في حشد دعم دولي لمواجهة إيران. فقد استغل الرئيس دونالد ترامب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817، الذي صدر في 11 مارس/آذار بأغلبية 13 صوتاً مقابل لا شيء وامتناع الصين وروسيا عن التصويت، للدفع نحو تشكيل تحالف بحري دولي.

القرار يدين “الهجمات الشنيعة” التي تشنها إيران على دول الخليج، ويطالب بوقف “الأعمال الرامية إلى عرقلة التجارة البحرية”. وتعهد ترامب بأن “مضيق هرمز سيُفتح قريباً، وآمناً، وحراً”، في رسالة تحظى بدعم دولي واسع.

عزلة إقليمية ودعم محدود من الحلفاء
على الصعيد الإقليمي، تبدو إيران أكثر عزلة من أي وقت مضى. فرغم أن حزب الله والحوثيين لا يزالان نشطين، إلا أنهما يتعرضان لضغوط شديدة. أما الحليفان التقليديان، روسيا والصين، فقد اكتفيا بانتقادات لفظية للضربات الأمريكية الإسرائيلية، وامتنعا عن التصويت على القرار 2817، لكنهما لم يقدما أي دعم عسكري مباشر أو إغاثة اقتصادية واسعة النطاق تعين طهران على تجاوز أزمتها.

داخلياً، تتآكل قبضة النظام بشكل متسارع. فقد أدت العقوبات الصارمة إلى تراجع حاد في عائدات النفط، وارتفاع التضخم إلى مستويات قياسية، وإجهاد الخدمات الأساسية.

كما تعاني مناطق الأقليات العرقية – البلوش والأكراد والعرب – من عدم استقرار متزايد في ظل الانهيار الاقتصادي وويلات الحرب. أما الاحتجاجات التي كانت تجذب الملايين قبل الحرب، فقد تحولت الآن إلى مزيج معقد من التفاف قومي حول القيادة المتبقية وقمع عنيف للمعارضة.

تبدو الظهورات العلنية للمسؤولين المتبقين جوفاء بشكل متزايد، في ظل الخسائر المدنية المتصاعدة والضربات الدقيقة التي تطال مواقع الحرس الثوري.

نظام يواجه معركة البقاء
بعد ثلاثة أسابيع من اغتيال خامنئي، وتأكيد مقتل لاريجاني، تبقى إيران دولة قائمة على الورق: دستورها سليم، وشعاراتها لم تتغير. لكن الآلية التي كانت تحول هذه الشعارات إلى واقع عملي أصبحت تحت ضغط غير مسبوق.

وقد كشفت الضربات الجراحية عن مدى اعتماد النظام على حفنة من الشخصيات المحورية؛ ومع رحيلهم، لم تعد الأيديولوجية وحدها قادرة على إبقاء النظام متماسكاً.

سواء كانت المرحلة القادمة ستحمل تنازلات تفاوضية، أو استيلاء الحرس الثوري على السلطة، أو مزيداً من التشرذم والانهيار، فإن الاتجاه الذي يسير فيه النظام واضح لا لبس فيه: إيران لم تعد اليوم في موقع عرض القوة، بل تخوض معركة وجودية من أجل البقاء.

اضف تعليقك