فايننشال تايمز: انخراط «حزب الله» في حرب إيران يسرّع نهايته

2026/03/05م

انخرط حزب الله في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل تحت شعار الدفاع عن إيران، واضعاً لبنان أمام أخطر اختبار أمني منذ سنوات.

وبحسب صحيفة فايننشال تايمز، بدت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي أطلقها الحزب نحو شمال إسرائيل، رداً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، من حيث الحجم محدودة، لكنها من حيث الدلالة السياسية عميقة؛ إذ أعادت تثبيت معادلة الانخراط العضوي بين الحزب وطهران في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة.

غير أن ما كان يُنظر إليه لعقود بوصفه ذراع الردع الأهم لإيران على حدود إسرائيل، لم يعد يمتلك فائض القوة ذاته بعد حرب الاستنزاف الطويلة، وعمليات الاغتيال التي طالت قياداته، والتدمير الممنهج لمخازن سلاحه وبنيته العملياتية.

الرد الإسرائيلي جاء سريعاً ومركّزاً، مع غارات استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت ومواقع في جنوب البلاد، واستدعاء واسع لقوات الاحتياط، وإعلان عن عمليات لإنشاء “منطقة عازلة” بمحاذاة الحدود.

ورغم تأكيد المتحدث العسكري الإسرائيلي نداف شوشاني أن التحركات “إجراءات تكتيكية دفاعية”، فإن حجم الحشد العسكري عزز التكهنات بإمكانية توغل أعمق يهدف إلى تقويض الحزب عسكرياً بصورة نهائية.

في المقابل، سعت حكومة رئيس الوزراء نواف سلام إلى احتواء التصعيد، فأعلنت حظر الأنشطة العسكرية للحزب، في خطوة تعكس مأزق الدولة بين تجنب الحرب والحفاظ على توازن داخلي هش.

والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تمثل هذه المواجهة الحرب الأخيرة لحزب الله؟

المعطيات الميدانية تشير إلى تراجع ملموس في قدرات الحزب مقارنة بذروة قوته بعد عام 2006. فترسانته الصاروخية تعرضت لاستنزاف كبير، وقيادته خضعت لإعادة تشكيل بعد اغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله عام 2024، وصعود قيادة جديدة يتقدمها نعيم قاسم وسط انقسامات داخلية بشأن أولوية المصالح اللبنانية مقابل الالتزام الاستراتيجي تجاه إيران.

هذا التحول القيادي ترافق مع نقاش عميق داخل الحزب حول جدوى الاستمرار في استراتيجية “وحدة الجبهات” التي ربطت مصيره عضوياً بمحور طهران، وجعلته طرفاً مباشراً في صراعات تتجاوز الحدود اللبنانية.

في الداخل، يواجه الحزب بيئة سياسية واجتماعية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. قطاعات واسعة من اللبنانيين، بما في ذلك جزء من قاعدته التقليدية، تُبدي إرهاقاً واضحاً من كلفة الحروب المتكررة، فيما يعاني الاقتصاد من انهيار غير مسبوق، والبنية التحتية من هشاشة مزمنة.

وأي حرب طويلة الأمد قد تعني انزلاقاً نحو فوضى أوسع، وهو ما يضع الحزب أمام معادلة دقيقة: كيف يحافظ على صورته كقوة مقاومة من دون أن يتحمل مسؤولية انهيار الدولة بالكامل؟

إقليمياً، تبدو إسرائيل مصممة على استثمار لحظة الضعف النسبي للحزب. فغياب شخصية بحجم خامنئي من المشهد الإيراني يطرح تساؤلات حول مستوى الدعم السياسي والمالي والعسكري الذي سيحظى به الحزب في المرحلة المقبلة.

وإذا ما تراجع هذا الدعم أو أعيدت صياغته ضمن أولويات إيرانية جديدة، فإن قدرة الحزب على إعادة بناء منظومته الردعية قد تتقلص بصورة جوهرية.

في المقابل، يدرك قادته أن الانكفاء الكامل سيُفسَّر كإقرار بالهزيمة، وقد يفتح الباب أمام ضغوط داخلية وخارجية لنزع سلاحه أو تقليص نفوذه السياسي.

والرهان الإسرائيلي المعلن يتمثل في توجيه “ضربة مدمرة” تضع حداً لدور الحزب كقوة عسكرية عابرة للحدود، وتحوله إلى فاعل لبناني محض بقدرات محدودة.

غير أن تجارب الحروب السابقة تُظهر أن القضاء التام على تنظيم متجذر اجتماعياً وعقائدياً ليس مهمة عسكرية صِرفة، بل عملية سياسية وأمنية معقدة. فحتى لو خسر الحزب جزءاً كبيراً من بنيته الصاروخية، فإن شبكته التنظيمية وخبرته القتالية قد تمكناه من إعادة التشكل بصيغة مختلفة.

هل نحن أمام الفصل الأخير في مسار حزب الله العسكري؟

المؤشرات الحالية توحي بأن الحزب يخوض أخطر اختبار منذ تأسيسه. إنها مواجهة تتقاطع فيها حسابات البقاء التنظيمي مع رهانات المحور الإقليمي، وضغوط الداخل اللبناني مع تصميم إسرائيلي على الحسم.

وقد لا تكون هذه الحرب نهاية فورية للحزب، لكنها بلا شك لحظة مفصلية ستحدد ما إذا كان سيبقى لاعباً مؤثراً أم سيتحول إلى مليشيات محلية محدودة التأثير، فاقدة لميزة الردع التي صنعت حضوره طوال العقود الماضية.

اضف تعليقك