من تولى كفر

كاتب المقال:

ثمة حكاية تتكرر كثيراً في حياتنا حتى صارت أشبه بمشهد محفوظ نراه في كل مرحلة وكل فترة.. حكاية أشخاص كانوا بين الناس بسطاء، قريبين، يتحدثون مع الجميع بلا حواجز، يردون على الاتصالات، ويبادلون الود بالود ثم ما إن جلس أحدهم على كرسيٍ ما، حتى بدا وكأن شيئاً في داخله قد تبدل فجأة.

كان بالأمس يبتسم للجميع ويسأل عن الصغير قبل الكبير، ويشعر من حوله أنهم جزء من حياته واليوم صار الوصول إليه أشبه بمحاولة عبور باب مغلق.. هاتفه صامتاً والرسائل بلا رد والوجوه التي كانت مألوفة أصبحت فجأة بعيدة.

“من تولّى كفر”.

ليس كفر الدين، وإنما كفر الجميل والنسيان السريع لكل يد امتدت يوماً بالمساندة أو بالكلمة الطيبة.

بعض الناس يظن أن المنصب يرفعه فوق الناس بينما الحقيقة أن المنصب اختبار.. اختبار بسيط في ظاهره، لكنه قاسٍ في نتائجه.. فإما أن ينجح الإنسان فيه فيزداد تواضعاً وقرباً من الناس، أو يسقط فيه فيخسرهم واحداً تلو الآخر دون أن يشعر.

والحقيقة التي يعرفها الجميع، وإن تجاهلها البعض، أن المنصب مؤقت هو أشبة بكرسي الحلاق يجلس عليه اليوم شخص، وغداً يجلس عليه آخر لا أحد يبقى، ولا أحد يملك أن يثبت الزمن عند لحظة السلطة.

المشكلة ليست في أن يتولى الإنسان منصباً فذلك حق مشروع لمن يستحقه..المشكلة تبدأ عندما ينسى الإنسان من كان قبل الكرسي، وينسى الذين كانوا حوله حين لم يكن يملك لقباً ولا مكتباً ولا حرساً ولا أبواباً مغلقة.

وقد رأينا كثيرين تغيروا حين تولوا، ثم تغير الزمن عليهم حين تركوا المناصب. عادوا كما كانوا، لكنهم اكتشفوا أن الوجوه التي ابتعدت لم تعد كما كانت، وأن الذاكرة لا تنسى بسهولة.

الناس قد تغفر، لكنها لا تنسى.

ولهذا ربما كان الأجمل أن يبقى الإنسان كما هو، قبل المنصب وبعده.

أن يتذكر دائماً أن الكرسي عابر، وأن الأهم من الكرسي هو السمعة التي يتركها خلفه، والقلوب التي يحتفظ بها حوله.

فالمنصب يذهب…لكن ما يفعله الشخص في زمن المنصب يبقى طويلاً في ذاكرة الناس.

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك

كاتب المقال: