بين التهديد والحشد العسكري، يتحرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خط رفيع يفصل بين استعراض القوة والانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع إيران.
ففي وقت يطالب فيه الناخب الأمريكي بإجابات عن التضخم وتكلفة المعيشة، تتقدم السياسة الخارجية فجأة إلى صدارة المشهد، حاملة معها احتمالات حرب قد تعيد رسم أولويات الداخل قبل أن تغيّر موازين الخارج، في لحظة تتقاطع فيها الحسابات الاستراتيجية مع حسابات صناديق الاقتراع، حيث لا يُقاس القرار العسكري بمداه الميداني فحسب، بل بأثره السياسي في عام انتخابي حاسم.
وفي هذا الإطار، يجمع خبراء ومصادر داخل الإدارة في تصريحات لـ«رويترز»، على أن أي تحرك عسكري ضد إيران يحمل مخاطرة سياسية كبيرة إذا طال أمده أو افتقر إلى هدف واضح ومحدد.
وبينما يرى البعض أن قاعدة ترامب الانتخابية لا تزال متحفظة تجاه الانخراط في صراعات خارجية وتنتظر تبريرا مقنعا لأي تصعيد، يعتبر آخرون أن الدعم الشعبي قد يتوافر فقط إذا كان التحرك حاسما ومحدودا ومرتبطا مباشرة بحماية الأمن والاستقرار الاقتصادي في الداخل.
أما داخل البيت الأبيض، فبحسب مصادر رويترز فإن الإجماع غير مكتمل، مع إدراك واضح لحساسية الرسالة الموجهة إلى الناخبين الذين يضعون الاقتصاد في صدارة أولوياتهم.
توقيت حساس وانقسام
ويدفع ترامب الولايات المتحدة نحو أخطر مواجهة مباشرة مع إيران منذ عقود، في توقيت سياسي بالغ الحساسية، إذ ستحدد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني ما إذا كان الحزب الجمهوري سيواصل السيطرة على مجلسي الكونغرس.
وتظهر استطلاعات الرأي أن الاقتصاد وتكلفة المعيشة يتصدران أولويات الناخبين، ما يضع الإدارة أمام معادلة دقيقة بين الأمن الخارجي والاستقرار الداخلي.
ورغم الخطاب الهجومي للرئيس، كشف مسؤول كبير في البيت الأبيض أنه لا يوجد حتى الآن «دعم موحد» داخل الإدارة للمضي قدما في شن هجوم على إيران.
وأوضح المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن مساعدي ترامب يدركون ضرورة تجنب إرسال «رسالة مشتتة» إلى الناخبين المترددين الذين يولون الاقتصاد اهتماما أكبر.
كما أشار مصدر حضر إحاطة خاصة عقدت الأسبوع الماضي مع عدد من وزراء الحكومة إلى أن مستشاري البيت الأبيض ومسؤولي حملة الحزب الجمهوري شددوا على ضرورة تركيز ترامب على الاقتصاد، باعتباره «القضية الأكثر أهمية» في الحملة.
وفي المقابل، دافع مسؤول ثانٍ في البيت الأبيض عن توجهات الرئيس، قائلا إن أجندته في السياسة الخارجية «تُرجمت مباشرة إلى مكاسب للشعب الأمريكي»، مضيفا: «جميع إجراءات الرئيس تضع أمريكا أولا — سواء من خلال جعل العالم بأسره أكثر أمانا أو تحقيق مكاسب اقتصادية لبلدنا».
تحذيرات من حرب طويلة
ويرى روب جودفري، الخبير الاستراتيجي الجمهوري، أن أي صراع يطول أمده مع إيران سيمثل تهديدا سياسيا كبيرا لترامب والجمهوريين.
وقال جودفري: «على الرئيس أن يضع في اعتباره القاعدة السياسية التي عززت الترشح عن الحزب الجمهوري — ثلاث مرات متتالية — والتي لا تزال تسانده، وهي قاعدة متشككة حيال الانخراط في الشؤون الخارجية والتورط في النزاعات الخارجية لأن إنهاء عصر (الحروب الأبدية) كان وعدا انتخابيا واضحا».
وأضاف أن الناخبين المستقلين الذين يلعبون دورا حاسما في الانتخابات المتقاربة «سينتظرون من الرئيس أن يقدم حججه بوضوح»، مشيرا إلى أن غياب هدف محدد قد يضعف القدرة على تعبئة تأييد واسع.
تأييد مشروط للعمل العسكري
في المقابل، رأت الخبيرة الاستراتيجية الجمهورية لورين كولي أن أنصار ترامب قد يؤيدون تحركا عسكريا إذا كان «حاسما ومحدودا».
وقالت كولي: «سيتعين على البيت الأبيض أن يربط بوضوح أي إجراء بحماية الأمن الأمريكي والاستقرار الاقتصادي في الداخل». لكنها حذرت ضمنا من أن انزلاق العملية إلى مواجهة ممتدة قد يغير المزاج العام.
تناقض «أمريكا أولا»
وفاز ترامب بولاية ثانية عام 2024 مستندا إلى نهج «أمريكا أولا» الذي شمل تعهدات بخفض التضخم وتجنب الصراعات الخارجية المكلفة.
إلا أن نشر حاملتي طائرات وسفن حربية وطائرات مقاتلة في الشرق الأوسط يعكس تصعيدا قد يتناقض مع خطاب الانكفاء النسبي الذي تبناه أمام قاعدته.
وفي الوقت الذي يهدد فيه ترامب بقصف إيران إذا لم تتوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي، كرر تحذيره قائلا إن «من الأفضل لهم التفاوض على اتفاق عادل».
لكنه لم يقدم تفاصيل دقيقة حول كيفية ترجمة الضربات الجوية إلى أهداف استراتيجية واضحة، سواء كانت مرتبطة بالبرنامج النووي أو بفكرة «تغيير النظام».
مقامرة استراتيجية
ويواجه ترامب الآن معضلة مزدوجة، فإذا تراجع عن تهديداته، قد يُتهم بالضعف، وإذا مضى في التصعيد، فقد يخاطر برصيده السياسي في الداخل، خصوصا إذا طال أمد المواجهة أو ارتفعت تكلفتها.
وأظهرت استطلاعات تردد الأمريكيين إزاء خوض حرب خارجية جديدة، مع تركيز الناخبين على القضايا الاقتصادية، وهو ما يجعل أي خطوة عسكرية واسعة ضد إيران تبدو كمقامرة سياسية بقدر ما هي قرار استراتيجي، وفق رويترز.
























