رمضان في تونس.. تقاليد عريقة وطقوس لا تختفي رغم صخب المدن الحديثة

2026/02/20م

يتميز شهر رمضان في تونس بطقوسه الغنية التي تعكس المزج الفريد بين الروحانيات العميقة للشهر الكريم وبين التقاليد الاجتماعية الراسخة، فتتحول لياليه إلى مناسبات تجمع العائلة والمجتمع في أجواء من البهجة والدفء والتآلف.

ورغم التطورات العصرية التي يشهدها المجتمع التونسي، لا تزال العائلات تحافظ على عاداتها المتوارثة، حيث يمتزج الطابع الروحي للشهر مع الموروث الثقافي العميق، ليصبح رمضان مناسبة تحتفل بها الأجيال على اختلاف أعمارها، وتحمل في طياتها أدق التفاصيل التي تضفي رونقًا خاصًا على الأجواء.

“أبو طبيلة”: رمز رمضان التونسي

ما يميز شهر رمضان في تونس ويضفي عليه طابعًا فريدًا هو “أبو طبيلة”، وهو المسحراتي الذي يقوم بإيقاظ الناس للسحور من خلال الضرب على الطبل الذي يحمله، مرددًا أناشيد مخصصة للصباح الباكر.

يرتدي المسحراتي الجبة التونسية التقليدية والشاشية، ويحمل الطبل وعصاه، ليجوب الشوارع والأزقة طيلة أيام الشهر الكريم. صوت “أبو طبيلة” ارتبط برمضان ارتباطًا وثيقًا، وأصبح وجوده علامة مميزة على قدوم الشهر، حيث يستقبله الناس في العيد بالترحاب، ويقدمون له الهدايا والحلويات، كل حسب قدرته، لتكون بمثابة زكاة الفطر.

ومع توسع المدن التونسية وظهور الأبنية العالية والشوارع الواسعة، وانشغال الناس بوتيرة حياة سريعة، بدأ صوت “أبو طبيلة” يتلاشى تدريجيًا، ليقتصر اليوم على المدن العتيقة والقرى التي تحرص على الحفاظ على هذه العادة من الانقراض، باعتبارها جزءًا من الهوية الثقافية لتونس.

مائدة السحور التونسية

خلال السحور، تتصدر الأطباق التقليدية مائدة التونسيين، حيث يكون “المسفوف” حاضرًا بقوة، وهو عبارة عن الكسكسي الممزوج بالتمر والزبيب والمكسرات. إلى جانب ذلك، تحظى “البسيسة” بمكانة خاصة، وهي خليط من القمح والشعير والفواكه الجافة، يُضاف إليها النعناع المجفف وقشرة البرتقال المجفف، ويتم رحيها وخلطها بالزيت وعسل النحل أو السكر.

وتُستهلك البسيسة إما بشكل سائل بعد خلطها بالماء والزيت، أو على شكل عجينة تُمزج بالزيت أو العسل، لتكون وجبة مغذية ومليئة بالطاقة قبل بدء الصيام.

الإفطار التونسي التقليدي

يفتتح الإفطار عادة بتناول كأس من اللبن وحبات التمر، تليها “شربة الشعير” كطبق أول، ثم طبق البريك الشهي، و”الطاجين” التونسي التقليدي، الذي يُحضَّر من مكونات متنوعة كالبيض والبقدونس والبصل والبهارات مع إضافات لحوم مختلفة، ويطهى في الفرن. ويكمل المائدة سلطة مشوية تتكون من الفلفل والطماطم والثوم، تُشوى على الفحم، ثم تُسحق وتزيَّن بالتونة والبهارات وزيت الزيتون، إلى جانب السلطة الخضراء.

أما الطبق الرئيسي، فيتنوع بين الكسكسي، المكرونة، أو “نواصر” وأطباق أخرى تتميز بنكهاتها الغنية والمميزة.

حلويات رمضان في تونس

تزخر تونس بتشكيلة واسعة من الحلويات التقليدية، لكن شهر رمضان يكتسب حلوياته الخاصة التي لا غنى عنها، أبرزها الزلابية، المخارق، القطايف، الصمصة، والمقروض. وتشتهر هذه الحلويات في معظم المدن، ويقبل عليها التونسيون بشكل كبير خلال الشهر الكريم. تتحول المحلات العادية لبيع الوجبات الخفيفة إلى محلات لصناعة وبيع حلويات رمضان، وتوارثت الأسر التونسية سرّ إعدادها عبر أجيال متعاقبة.

وتتكون المخارق والزلابية أساسًا من الدقيق، السميد، البيض، السمن، الخميرة وزيت الزيتون، ثم تُقلى في الزيت وتوضع في العسل أو السكر الذائب. هذه الحلويات تمثل جزءًا من الهوية الثقافية للبلاد، وتعد علامة مميزة على شهر رمضان في تونس.

السهر الرمضاني وأجواء المقاهي

بعد الإفطار، يفضل البعض البقاء في المنزل وسط الأجواء العائلية، بينما يختار آخرون السهر في المقاهي للقاء الأهل والأصدقاء. ويقصده العديد من التونسيين، خصوصًا المقاهي القديمة في المدن العتيقة مثل مقهى “الشواشين” و”المرابط”، التي يعود تاريخها إلى أكثر من مئة عام. وتفوح في هذه المقاهي رائحة القهوة العربية المعطرة بماء الزهر، وأنواع الشاي المختلفة، مع الاستمتاع بالأغاني القديمة التي تعكس التراث الموسيقي التونسي.

تتسم المدينة العتيقة في قلب العاصمة بتاريخ عريق، تأسست في عام 698 ميلادي، وتضم قصور ملوك تونس القدامى، وتحيط بها أبواب عديدة مثل باب بنات، باب الفلة، وباب جديد، التي ما زالت تشكل مداخل للمدينة. خلال رمضان، تنشط المدينة العتيقة بشكل كبير، حيث يفضل غالبية سكان العاصمة قضاء ليالي رمضان في تلك الأزقة ومقاهيها، ويستبشر التجار بالحركة التجارية التي تشهدها الأسواق.

كما تحتضن المدينة العتيقة فعاليات مهرجان “المدينة” العريق، الذي يضيء ليالي الشهر الكريم ويعد ثاني أهم تظاهرة موسيقية بعد مهرجان قرطاج الذي بدأ عام 1964. وتشتمل الدورة الثانية والأربعون على نحو 30 عرضًا موسيقيًا من أنماط متنوعة، إلى جانب عروض مسرحية ومحاضرات فكرية، تقام في “دار الأصرم”، و”النادي الثقافي الطاهر الحداد”، و”المركز الثقافي بئر الأحجار”، وهي معالم ثقافية بارزة في قلب المدينة.

الجانب الروحاني لشهر رمضان

يمتاز رمضان في تونس بجو روحاني خاشع، حيث تمتلئ المساجد بالمصلين لأداء صلاة التراويح، ويشهد جامع الزيتونة توافد الآلاف ليلاً لأداء الصلوات. وقد أعلنت وزارة الشؤون الدينية التونسية عن تنظيم نحو 100 ألف نشاط ديني متنوع خلال الشهر، يشمل تكثيف الدروس الفقهية بين الصلوات، بهدف الحفاظ على المقاصد الروحية والإنسانية لهذا الشهر المبارك، وتعزيز قيم الإحسان والتقوى في المجتمع.

اضف تعليقك