حين يتحدث صُنّاع الأزمات عن إنقاذ الأوطان

كاتب المقال:

‏جمعني لقاء ذات يوم ووجدت نفسي أمام شخصيات سياسية تقلدت مناصب رفيعة في الدولة، وتدرجت في هرم السلطة خلال فترات كانت من أكثر المراحل حساسية واضطرابًا في تاريخ البلاد. كانت تلك الحقب مليئة بالأزمات والصراعات والتراجع المستمر، حتى وصلنا إلى واقع مأزوم يدفع ثمن تراكمات طويلة من القرارات غير الرشيدة وسوء الإدارة.

غير أن ما أثار دهشتي – وربما استغرابي – ليس ما حدث في الماضي فحسب، بل ما يحدث اليوم. فهذه الشخصيات نفسها تظهر في المشهد مجددًا، ناقدةً للأوضاع الراهنة، ومتحدثةً بثقة عن رؤى وخطط واستراتيجيات لإنقاذ البلاد من أزمتها الحالية. بل إن بعضهم يشغل مواقع استشارية لقادة الدولة، ويقدم نفسه باعتباره صاحب خبرة وحلول.

هنا يبرز سؤال مشروع: كيف يمكن إقناع الناس بمقترحات يقدمها من كانت نتائج إدارتهم في السابق أحد أسباب التدهور الذي نعيشه اليوم؟

لو كان هناك نجاح حقيقي وراسخ في تلك الفترات، لما وصلنا إلى هذا المستوى من التراجع. فالواقع الراهن ليس وليد لحظة، بل هو حصيلة تراكمات وسياسات امتدت لسنوات.

إن الإشكالية لا تكمن فقط في طرح الأفكار، بل في غياب المراجعة الصادقة للتجربة السابقة. فالمسؤولية السياسية تقتضي الاعتراف بالأخطاء قبل تقديم الدروس للآخرين. والمصداقية لا تُبنى بالشعارات ولا بخطابات نقد الحاضر، بل بتقييم موضوعي لما مضى وتحمل نتائجه.

الأمم التي تتقدم هي تلك التي ترسّخ مبدأ المحاسبة، وتربط بين السلطة والمسؤولية. فالتدرج في المناصب لا يعني بالضرورة النجاح، وطول البقاء في مواقع القرار لا يمنح حصانة من التقييم أو المساءلة. بل على العكس، كلما اتسعت الصلاحيات، تعاظمت المسؤولية.

إن إعادة تدوير نفس العقليات دون تقييم جاد لأدائها، يبعث برسالة سلبية إلى المجتمع مفادها أن النتائج لا تُحاسب، وأن الفشل لا يمنع من الاستمرار في المشهد العام. وهذا ما يعمّق فجوة الثقة بين المواطن وصانع القرار.

إن الدعوة إلى الإصلاح تبدأ من إرساء ثقافة مؤسسية تقوم على الشفافية والمساءلة، لا على تبديل الأدوار بين الفاعلين أنفسهم. فالمستقبل لا يُبنى إلا بعقول قادرة على التعلم من أخطاء الماضي، وبمنظومة تضمن أن من يخطئ يُقيَّم، ومن ينجح يُكافأ.

قد يكون من حق أي شخص أن يطرح رؤية أو فكرة، لكن من حق الشعوب أيضًا أن تسأل: أين كانت هذه الرؤى حين كان القرار بأيديكم؟ وما الذي يضمن ألا تتكرر الأخطاء ذاتها؟

إن أوطاننا لا تحتاج إلى خطابات جديدة بقدر ما تحتاج إلى مسؤولية حقيقية، ومحاسبة عادلة، وتجديد صادق في الفكر والممارسة. فالإصلاح ليس كلمات تُقال، بل نهج يُثبت نفسه بالأفعال والنتائج

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك

كاتب المقال: