الحوار ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة لأي مشروع وطني جامع. فالمشكلة ليست في الماضي ذاته، بل في الذهنيات التي ما زالت أسيرة صراعاته برموزه الفاشلة، التي تعيد إنتاج الانقسام بدل تجاوزه. وعندما تُدار السياسة بعقلية الثأر أو الغالب والمغلوب، يصبح الوطن ساحة صراع لا مساحة شراكة.
إن مغادرة الماضي لا تعني إنكاره، بل فهمه وتجاوزه بعقل نقدي يحرر الحاضر من قيود الماضي. فالمشروع الوطني الحقيقي لن يقوم إلا بمغادرة الماضي أولًا، ثم الاعتراف بمظلومياته، ثم إنصاف المناطق التي تعرضت للظلم والتهميش، واحترام التعدد، وبناء عقد اجتماعي جديد يضمن العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية دون إقصاء أو تمييز.
لا يمكن أن يتحقق الاستقرار ما لم يشعر جميع المواطنين بالإنصاف وتكافؤ الفرص وسيادة القانون. فالوطن أكبر من خلافات نخبه، وأعمق من تراكمات صراعاته. وحين تتقدم الذهنيات الواعية، يصبح الحوار طريقًا لبناء مستقبل مشترك، لا مجرد وسيلة لإدارة أزمة عابرة


















