(عاد/ القاهرة) متابعات:
يرسم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي حدوداً واضحة للمساندة العسكرية المصرية المحتملة للسعودية، عبر الفصل بين الدفاع عن أراضي المملكة والمشاركة في الهجمات داخل اليمن، في وقت تتزايد فيه الضغوط على القاهرة لتحديد طبيعة دورها في مواجهة التصعيد الحوثي، وسط مخاوف من اتساع نطاق الصراع وتحوله إلى مواجهة إقليمية أوسع.
وأكد السيسي، الأربعاء، أن التحرك العسكري المصري لن يشمل شن هجوم على اليمن، وأنه سيقتصر على الدفاع عن الأراضي السعودية وحدودها، مشيراً إلى أن مصر مستعدة للدفاع عن أراضي أي دولة عربية أخرى إذا طلبت منها ذلك. وشدد بيان الرئاسة المصرية على أن الجهد العسكري لن يمتد إلى خارج حدود مصر أو أراضي دولة شقيقة تكون القاهرة حريصة على أمنها واستقرارها.
ويضع هذا التحديد إطاراً للمشاركة المصرية المحتملة، بعدما طلب السيسي تفويضاً برلمانياً يسمح للقوات المسلحة بتقديم الدعم للسعودية إذا طلبت الرياض ذلك. فالقاهرة تريد تأكيد التزامها بأمن المملكة، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى تجنب الانزلاق إلى عمليات هجومية داخل اليمن، بما قد يترتب عليها من أعباء عسكرية وسياسية واقتصادية يصعب حصرها مسبقاً.
ويعكس الموقف المصري محاولة للجمع بين اعتبارات الأمن القومي والعلاقات الاستراتيجية مع السعودية، من جهة، والحذر من الانخراط المباشر في حرب اليمن، من جهة أخرى. فالقاهرة تنظر إلى أمن الخليج باعتباره مرتبطاً بأمنها، خصوصاً في ظل التهديدات التي تطال الأراضي السعودية والممرات البحرية في البحر الأحمر، لكنها لا تعتبر مساندة المملكة بالضرورة التزاماً بالمشاركة في العمليات الهجومية ضد الحوثيين.
ويأتي الإعلان المصري في ظل تصاعد الهجمات الحوثية على أهداف سعودية، شملت الرياض ومنشآت مرتبطة بقطاع الطاقة، وفق تقارير صحفية. وتزيد هذه التطورات الضغط على المملكة لتعزيز قدراتها الدفاعية، كما تضع الدول التي أعلنت تضامنها معها أمام سؤال طبيعة الدعم الذي يمكن تقديمه، وحدود المشاركة التي يمكن أن تتحمل تبعاتها.
الخط الأحمر الذي ترسمه القاهرة لا يعني الابتعاد عن الرياض، بل الفصل بين الدفاع عنها والانخراط في حرب داخل اليمن
وتكتسب مصر أهمية خاصة في هذه المعادلة، بالنظر إلى ثقلها العسكري وموقعها الجغرافي المطل على البحر الأحمر وقربها من مسرح العمليات. غير أن هذا الثقل لا يلغي الكلفة المحتملة لأي انخراط عسكري، خصوصاً إذا تجاوز حماية الأراضي السعودية إلى استهداف مواقع الحوثيين داخل اليمن أو الدخول في عمليات ممتدة لا تتضح نهايتها.
ومن هنا، يبدو الفصل الذي أعلنه السيسي محاولة لتحديد طبيعة المهمة قبل اتخاذ قرار بشأن تنفيذها. فالدفاع عن الأراضي السعودية يمكن أن يشمل، بحسب طبيعة التفويض والاتفاقات التي قد تُبرم، صوراً من المساندة العسكرية والدفاع الجوي، لكنه لا يعني تلقائياً إرسال قوات برية إلى اليمن أو المشاركة في حملة هجومية ضد الحوثيين.
ويضيف تأجيل البرلمان المصري التصويت على تفويض القوات المسلحة إلى 26 أكتوبر بعداً داخلياً إلى الحسابات الإقليمية. فالقرار لا يتعلق بإعلان التضامن مع السعودية، الذي أكدته القاهرة، بقدر ما يرتبط بتحديد الصلاحيات الممنوحة للسلطة التنفيذية ونطاق المهمة العسكرية المحتملة وشروط تنفيذها.
وكان البرلمان قد أرجأ التصويت بعد مناقشات لم تحسم الملف، فيما أثار نواب وحزب سياسي تساؤلات بشأن أهداف المهمة ومدتها وتكاليفها والمخاطر التي قد تواجه القوات المصرية. وأعلن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي أن كتلته البرلمانية ستتجه إلى الامتناع عن التصويت، بسبب ما اعتبره نقصاً في المعلومات المتعلقة بطبيعة الالتزام العسكري وتداعياته.
وتكشف هذه المواقف أن الجدل لا يدور حول العلاقة مع السعودية وحدها، بل حول الشروط التي ينبغي أن تحكم أي مهمة عسكرية خارج الحدود. فالتفويض الواسع، إذا لم تقترن به أهداف محددة وضمانات واضحة، قد يفتح الباب أمام التزامات يصعب إنهاؤها سريعاً، خصوصاً في صراع تتداخل فيه الحسابات المحلية اليمنية مع التنافس الإقليمي.
ويمنح التأجيل القاهرة وقتاً إضافياً لتحديد شكل الدعم الذي يمكن تقديمه، كما يتيح المجال أمام تحركات دبلوماسية موازية لتقليص التصعيد. لكنه لا يعني، في حد ذاته، تراجع مصر عن مساندة الرياض، مثلما لا يعني إعلان السيسي الاستعداد للدفاع عن السعودية أن قرار المشاركة العسكرية قد أصبح نهائياً أو أن تفاصيل المهمة حُسمت. لكن لا يُعرف إلى أي حد يمكن أن ترضي هذه الخطوة السعوديين.
الإعلان المصري يأتي في ظل تصاعد الهجمات الحوثية على أهداف سعودية، شملت الرياض ومنشآت مرتبطة بقطاع الطاقة، وفق تقارير صحفية
ولا تنفصل الحسابات المصرية عن أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وهما ممران يرتبطان مباشرة بمصالح مصر التجارية وإيرادات قناة السويس. وأي توسع في المواجهة قد يزيد المخاطر على حركة السفن ويعقد جهود استعادة الاستقرار الملاحي، في وقت تواجه فيه القاهرة ضغوطاً اقتصادية تجعل كلفة الصراعات الإقليمية عاملاً حاضراً في تقدير خياراتها.
كما أن العلاقات المصرية السعودية لا تقتصر على التعاون الأمني، بل تشمل روابط اقتصادية واستثمارات ومساعدات مالية. وتدفع هذه المصالح القاهرة إلى تأكيد التضامن مع الرياض، لكنها تجعل من الضروري أيضاً حساب آثار أي تدخل عسكري على الاستقرار الداخلي والموارد العامة، وعلى قدرة مصر على مواصلة أولوياتها الاقتصادية.
وفي هذا السياق، لا تبدو معادلة القاهرة قائمة على الاختيار بين الوقوف مع السعودية أو الابتعاد عنها، بل على تحديد مستوى المساندة الذي يحقق هدف حماية المملكة من دون جر مصر إلى حرب مفتوحة. وقد تكون المساعدة الدفاعية، إذا أقرت مؤسسات الدولة تفاصيلها، وسيلة لتحقيق هذا التوازن، لكن فعاليتها ستظل مرتبطة بطبيعة التهديدات والضمانات الموضوعة لمنع توسع المهمة.
ويحمل الموقف المصري رسالة مزدوجة إلى الأطراف المعنية. فمن جهة، تؤكد القاهرة أن أمن السعودية ليس مسألة منفصلة عن أمنها، وأنها مستعدة للتحرك دفاعياً إذا طلبت الرياض المساعدة. ومن جهة أخرى، توضح أن هذا الالتزام لا يعني تلقائياً فتح جبهة مصرية داخل اليمن، أو المشاركة في هجمات قد توسع دائرة المواجهة.
وقد حذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أن التدخل الخارجي سيعقد الأزمة، مشيراً إلى أن القاهرة أبلغت طهران سابقاً بأنها لن تتدخل مباشرة في الصراع اليمني. ويبرز هذا الموقف حساسية أي تحرك مصري، إذ يمكن أن يُقرأ في طهران باعتباره تحولاً في موازين المواجهة، حتى إذا أعلنت القاهرة أن دورها دفاعي.
وبين تأكيد التضامن مع السعودية ورسم حدود التدخل في اليمن، تحاول مصر تثبيت معادلة تقوم على دعم أمن حليفها الخليجي مع إبقاء باب التسوية السياسية مفتوحاً. وستتوقف الخطوة التالية على ما سيقرره البرلمان، وعلى طبيعة الطلب السعودي إن قُدم، وعلى قدرة التحركات الدبلوماسية على احتواء التصعيد.
فخط القاهرة الأحمر لا يعني الابتعاد عن الرياض، بل الفصل بين الدفاع عنها والانخراط في حرب داخل اليمن؛ وهي معادلة تسعى مصر من خلالها إلى حماية مصالحها الإقليمية من دون الالتزام مسبقاً بمسار عسكري مفتوح النهايات.
























