(عاد/ بروكسل) متابعات:
تدخل الحكومة العراقية معركة مكافحة الفساد مرحلة أكثر حساسية، بعدما أعلنت استعادة نحو 381 مليون دولار من الأموال المسروقة منذ انطلاق حملة لملاحقة المتورطين في قضايا الفساد واسترداد الأموال العامة أواخر يونيو/حزيران. ولا تكمن أهمية الرقم في قيمته المالية فقط، وإنما في كونه مؤشرا على محاولة بغداد نقل المعركة من مجرد كشف ملفات الفساد إلى استعادة الأموال وملاحقة شبكات المصالح التي تقف وراءها.
ويأتي الإعلان في سياق حملة أوسع تعرف باسم «صولة الفجر»، التي تتبناها الحكومة باعتبارها جزءا من تحرك يستهدف الفساد المالي والإداري، خصوصا في الملفات التي ترتبط بهدر المال العام والتلاعب بالعقود والتهرب الجمركي والضريبي والاستيلاء غير المشروع على موارد الدولة.
وتطرح هذه الحملة سؤالا يتجاوز حجم الأموال المستعادة: هل تستطيع الحكومة العراقية تحويل مكافحة الفساد إلى مشروع مؤسساتي دائم، أم أن الأمر سيبقى مرتبطا بحملات أمنية وقضائية تنتهي بانتهاء موجة التصعيد؟
على مدى سنوات، تعامل العراق مع الفساد باعتباره أحد أكبر العوائق أمام بناء الدولة وتحسين الخدمات وتنويع الاقتصاد. لكن استرداد الأموال المنهوبة يمثل تحديا مختلفا عن اكتشاف المخالفات أو إحالة المتهمين إلى القضاء.
الحكومة تحتاج إلى توضيح مصير الأموال المستعادة، وإظهار كيفية إعادتها إلى الخزينة أو توظيفها في المصلحة العامة. فـشفافية ما بعد الاسترداد لا تقل أهمية عن عملية الاسترداد نفسها
فالأموال التي يتم الاستيلاء عليها بصورة غير قانونية لا تبقى بالضرورة داخل المؤسسة أو الدولة التي خرجت منها، بل يمكن تحويلها إلى عقارات وشركات وحسابات مصرفية أو نقلها إلى الخارج، ما يجعل استردادها عملية تتطلب تعاونا بين أجهزة القضاء والرقابة والأمن والمؤسسات المالية، وأحيانا تعاون دول أخرى.
ومن هنا، فإن إعلان استعادة مئات الملايين يحمل رسالة سياسية مفادها أن الحكومة لا تريد الاكتفاء بإدانة الفساد، بل تسعى إلى إعادة المال إلى خزينة الدولة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على إيرادات النفط، بينما تحتاج الدولة إلى موارد ضخمة لتمويل الرواتب والخدمات والبنية التحتية ومشاريع الإعمار.
لكن المشكلة العراقية لا تتعلق فقط بالأموال التي تختفي من الموازنة.
فالفساد يضرب قدرة الدولة على تنفيذ المشاريع بكفاءة، ويرفع تكلفة الخدمات، ويخلق بيئة تفضل أصحاب النفوذ على المستثمرين، كما يؤدي إلى تقويض الثقة بالمؤسسات العامة.
ولهذا فإن كل دولار تستعيده الدولة لا يمثل فقط موردا ماليا، بل يمكن أن يكون جزءا من معركة استعادة ثقة المواطن بالدولة.
وهنا تتقاطع مكافحة الفساد مع الإصلاح الاقتصادي. فالعراق يستطيع زيادة الإنفاق العام، لكن إذا ظلت قنوات الهدر مفتوحة، فإن زيادة الموارد لن تتحول بالضرورة إلى تحسين ملموس في حياة المواطنين.
المعضلة الأكبر أمام الحكومة ليست في فتح الملفات، وإنما في الاستمرار عندما تصل التحقيقات إلى شخصيات أو شبكات تمتلك نفوذا سياسيا أو اقتصاديا.
فالعراق شهد خلال السنوات الماضية حملات متعددة لمكافحة الفساد، لكن كثيرا منها اصطدم بتعقيدات النظام السياسي وتداخل المصالح الحزبية والاقتصادية، فضلا عن ضعف التنسيق بين المؤسسات.
ولذلك فإن نجاح «صولة الفجر» لن يقاس بعدد الموقوفين أو حجم الأموال المستعادة فقط، وإنما بقدرتها على تفكيك الآليات التي تسمح بحدوث الفساد من الأساس.
ويعني ذلك تشديد الرقابة على العقود الحكومية، وتطوير النظام المصرفي والجمركي، وتعزيز الشفافية في الإنفاق العام، وتفعيل أجهزة التدقيق والرقابة، والأهم حماية القضاء والجهات الرقابية من الضغوط السياسية.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في الحملة العراقية: استعادة الأموال المسروقة تحقق نتيجة مهمة، لكنها تأتي بعد وقوع الضرر.
أما الإصلاح الحقيقي فيبدأ من منع سرقة المال العام قبل حدوثها.
فكل عملية فساد كبيرة تعني عادة وجود ثغرات في منظومة الرقابة تسمح بالتلاعب بالعقود أو تحويل الأموال أو إخفاء المستفيد الحقيقي. وإذا لم تغلق هذه الثغرات، فإن استرداد الأموال قد يتحول إلى عملية دورية: تسرق الأموال، ثم تبدأ الدولة في ملاحقتها، ثم تظهر ملفات جديدة.
المعضلة الأكبر أمام الحكومة ليست في فتح الملفات، وإنما في الاستمرار عندما تصل التحقيقات إلى شخصيات أو شبكات تمتلك نفوذا سياسيا أو اقتصاديا
لذلك تحتاج بغداد إلى الانتقال من نموذج «ملاحقة الفاسدين» إلى نموذج أوسع يقوم على تجفيف البيئة التي تنتج الفساد.
الاختبار السياسي للحملة سيكون في نهايتها وليس في بدايتها.
فإذا تمكنت الحكومة من استعادة مئات الملايين، وإحالة المتورطين إلى القضاء، ومنعهم من إعادة تدوير الأموال أو النفوذ، فقد تتحول الحملة إلى نقطة تحول في علاقة الدولة بالفساد.
أما إذا توقفت عند استعادة الأموال في بعض الملفات، من دون معالجة شبكات المصالح التي أنتجتها، فقد تحقق نجاحا ماليا محدودا من دون أن تغير المعادلة الأوسع.
وتحتاج الحكومة كذلك إلى توضيح مصير الأموال المستعادة، وإظهار كيفية إعادتها إلى الخزينة أو توظيفها في المصلحة العامة. فـشفافية ما بعد الاسترداد لا تقل أهمية عن عملية الاسترداد نفسها.
وفي بلد يملك موارد نفطية كبيرة، فإن مكافحة الفساد ليست قضية أخلاقية أو قضائية فقط، بل قضية تتعلق مباشرة بقدرة الدولة على تحويل ثروتها إلى تنمية وخدمات وفرص عمل.
ولهذا تبدو «صولة الفجر» أمام اختبار مزدوج: هل تستطيع استعادة الأموال التي خرجت من الدولة، وهل تستطيع في الوقت نفسه بناء مؤسسات تمنع خروج أموال جديدة؟
إذا نجحت في المسارين معا، يمكن أن تتحول مكافحة الفساد من حملة ظرفية إلى معركة دولة حقيقية لاستعادة المال العام وهيبة المؤسسات. أما إذا بقيت المعركة في حدود الملفات والأرقام، فإن الأموال المستعادة ستظل مهمة، لكنها لن تكون كافية وحدها لتغيير اقتصاد الفساد الذي ترسخ خلال سنوات.























