إيران تتحدى واشنطن: هرمز لن يفتح إلا بشروط طهران

2026/08/16م

(عاد/ بروكسل) متابعات:

تبدو المواجهة بين إيران والولايات المتحدة أكثر ابتعادًا عن التسوية، بعدما تبادلت طهران وواشنطن رسائل متشددة تؤكد اتساع الفجوة بين الطرفين. ففي الوقت الذي دعت فيه إيران الولايات المتحدة إلى الاعتراف بما وصفته بـ”الهزيمة”، وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب إيران بأنها “شريرة” داعيًا الأميركيين إلى الاستعداد لتحمل ارتفاع إضافي في أسعار الوقود ما دام الصراع مستمرًا.

لكن خلف التصريحات المتبادلة توجد معركة أكثر أهمية: مضيق هرمز.

فالمضيق لم يعد مجرد ممر مائي استراتيجي تتأثر به أسواق الطاقة العالمية، بل تحول إلى إحدى أهم أدوات الضغط في الحرب. وإيران تقول بوضوح إن قرار فتحه أو إغلاقه يبقى بيدها، بينما ترى واشنطن أن استمرار تعطيل حركة الملاحة يمثل تحديًا مباشرًا للمصالح الدولية ولأمن الطاقة العالمي.

وقال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب أبادي، في منشور على منصة “إكس”، إن المضيق “لن يفتح أو يغلق إلا بأمر من إيران”، مؤكدًا أن بلاده ستواصل فرض ما وصفه بالحصار ما لم تتخل الولايات المتحدة عن مطالبها وتقبل بما تعتبره طهران واقعًا جديدًا.

وكان غريب أبادي أكثر وضوحًا في توجيه رسالته إلى واشنطن عندما قال إن مضيق هرمز لا يمكن التحكم فيه “بتغريدة أو حاملة طائرات أو بإصدار أمر أو بإلقاء خطاب انتخابي”.

المغزى السياسي لهذه الرسالة واضح: إيران تريد أن تقول إن الحرب لا يمكن أن تُدار من الجو والبحر فقط، وإن لديها قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي من خلال موقعها الجغرافي.

قبل اندلاع الحرب، كان نحو خُمس صادرات النفط العالمية يمر عبر مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. لكن حركة الملاحة تراجعت بصورة حادة منذ بدء المواجهة الأميركية والإسرائيلية مع إيران في 28 فبراير.

وبحسب بيانات شركة “كبلر” المتخصصة في تتبع حركة السفن، لم تمر عبر المضيق يوم الجمعة سوى أعداد محدودة جدًا من السفن، ولم تُسجل شحنات من النفط الخام. وكانت هذه الأرقام بعيدة بصورة هائلة عن أكثر من 130 سفينة كانت تعبر المضيق يوميًا قبل الحرب.

صحيح أن بعض السفن قد تعبر من دون أن تكون قابلة للرصد بسبب إيقاف أجهزة الإرسال والاستقبال، لكن ذلك لا يغير الصورة العامة: الممر الذي كان يمثل شريانًا مفتوحًا للتجارة العالمية أصبح عمليًا منطقة عالية المخاطر.

والخطر ليس نظريًا. فالسفن التي تحاول العبور من دون الحصول على موافقة إيرانية تواجه احتمال التعرض لهجمات صاروخية أو بطائرات مسيرة. وأعلنت شركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك” تعرض سفينتين تابعتين لها لهجوم أثناء عبورهما المضيق مساء الخميس، قبل أن تتحدث وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية عن تعرض سفينة أخرى لهجوم الجمعة.

وهكذا أصبحت كل رحلة عبر هرمز تحمل معها سؤالًا أكبر من مجرد الملاحة: هل تستطيع التجارة العالمية الاستمرار في عبور منطقة أصبحت جزءًا من ساحة الحرب؟

بزشكيان يعترف بأن اقتصاد بلاده يواجه خسائر جسيمة وارتفاعا في معدلات التضخم نتيجة الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية والعقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية

في الجانب الآخر، يبدو ترامب مصممًا على إقناع الأميركيين بأن تكلفة الحرب، حتى لو ظهرت في أسعار البنزين، تبقى أقل من تكلفة السماح لإيران بالحصول على سلاح نووي.

وفي تجمع سياسي في غاردن سيتي بولاية نيويورك، قال ترامب إن دفع “مبلغ ضئيل إضافي مقابل البنزين” يستحق التكلفة إذا كان ذلك سيحول دون حصول “دولة شريرة للغاية” على سلاح نووي.

لكن هذه الرسالة تحمل في الوقت نفسه مفارقة سياسية واضحة. فارتفاع أسعار الوقود يتعارض مع أحد الوعود الأساسية التي رافقت الخطاب الاقتصادي لترامب، في وقت يمكن أن تتحول فيه أسعار الطاقة إلى قضية سياسية داخلية، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.

وقد بدأت الأسواق بالفعل في تسعير المخاطر. فقد ارتفعت العقود الآجلة للنفط الخام بنحو دولار إضافي للبرميل يوم الجمعة، وكانت عقود خام برنت وغرب تكساس الوسيط تتجه إلى تسجيل مكاسب أسبوعية تقارب 6% و5.4% على التوالي.

المشكلة بالنسبة لواشنطن أن ارتفاع أسعار النفط لا يبقى في أسواق الطاقة. إنه ينتقل إلى النقل والغذاء والصناعة والتضخم، ثم يعود في النهاية إلى المستهلك الأميركي.

لكن الرهان الإيراني ليس بلا تكلفة. فطهران تستطيع استخدام هرمز للضغط على خصومها، لكنها لا تستطيع عزل نفسها عن تداعيات إغلاق أحد أهم الممرات التجارية في العالم. اقتصادها نفسه يعتمد على تصدير الطاقة، وعلى القدرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية.

وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات الحرب وضوحًا: الأداة التي تمنح إيران قدرة على الضغط على الآخرين يمكن أن تصبح في الوقت نفسه مصدر ضغط عليها.

وقد اعترف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأن اقتصاد بلاده يتكبد خسائر جسيمة، وأن التضخم يرتفع نتيجة الإجراءات الأميركية التي تستهدف الموانئ الإيرانية وصادرات النفط.

كما تعهد ترامب ووزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بمواصلة الضغط المالي على إيران، مع إعلان بيسنت أن إجراءات إضافية ضد طهران ستُعلن قريبًا.

وبذلك لا تبدو المعركة محصورة في الصواريخ والطائرات والمسيرات. إنها حرب على القدرة على تحمل الكلفة.

إيران تراهن على أن تعطيل هرمز سيرفع تكلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها إلى درجة تدفعهم إلى التفاوض. وواشنطن تراهن في المقابل على أن الضغط العسكري والاقتصادي سيجعل استمرار المواجهة أكثر كلفة على طهران.

الأكثر إثارة للقلق أن المسار الدبلوماسي يبدو متوقفًا. فبعد انهيار الاتفاق المبدئي الذي أُبرم في يونيو لإنهاء الحرب، لم تظهر مؤشرات واضحة على استعداد واشنطن وطهران للعودة سريعًا إلى طاولة المفاوضات.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وفق ما نقلته وكالة أنباء الطلبة الإيرانية، إنه لم يتم اتخاذ قرار باستئناف المفاوضات. ورغم استمرار قطر وباكستان في التواصل مع طهران وتبادل الرسائل معها، فإن هذه الاتصالات لم ترتقِ إلى مستوى المفاوضات المباشرة.

وهذا يعني أن القنوات الدبلوماسية لا تزال مفتوحة، لكنها لم تتحول بعد إلى مسار سياسي قادر على احتواء التصعيد.

ولا تتوقف المخاطر عند هرمز. فالهجمات الأخيرة التي شنها الحوثيون في اليمن، المتحالفون مع إيران، أعادت المخاوف من اتساع رقعة المواجهة إلى البحر الأحمر والخليج ومناطق أخرى في الشرق الأوسط.

وقالت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا إن الحوثيين أطلقوا ستة صواريخ باليستية باتجاه ميناء المخا على البحر الأحمر، ما أدى، وفق الرواية الحكومية، إلى مقتل أربعة مدنيين.

وفي تطور منفصل، نقلت وكالة “سبأ” التابعة للحوثيين عن مصدر عسكري أن الجماعة استهدفت بطائرة مسيرة منشأة تابعة لشركة أرامكو في نجران السعودية.

إذا استمر هذا المسار، فقد تتحول الحرب من مواجهة أميركية-إيرانية مباشرة إلى شبكة صراعات متزامنة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر، بما يزيد المخاطر على الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي.

وهنا يصبح مضيق هرمز أكثر من ورقة ضغط إيرانية. إنه اختبار حقيقي لقدرة النظام الدولي على حماية حرية الملاحة، وقدرة الأسواق على تحمل الصدمات، وقدرة الأطراف المتحاربة على حساب تكلفة التصعيد قبل أن يصبح التراجع أكثر صعوبة.

في النهاية، لا يبدو أن طهران تراهن على قوتها العسكرية وحدها، ولا أن واشنطن تراهن على التفوق العسكري وحده. كلاهما يراهن على قدرة الآخر على تحمل الألم.

إيران تراهن على هرمز وعلى النفط وعلى الوقت. وترامب يراهن على العقوبات والضغط العسكري وعلى قدرة الاقتصاد الأميركي على امتصاص الصدمة.

لكن التاريخ يقول إن الحروب لا تنتهي عندما ينتصر طرف في معركة واحدة، بل عندما يدرك الطرفان أن كلفة الاستمرار أصبحت أكبر من كلفة التسوية.

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط: من يسيطر على مضيق هرمز؟

بل: من سيكون أول من يقتنع بأن إبقاءه مغلقًا أصبح أكثر كلفة من فتحه؟

اضف تعليقك