(عاد/ الرياض) متابعات:
لم تعد السعودية تتعامل مع موقعها في الشرق الأوسط باعتباره مجرد نتيجة طبيعية لحجمها الجغرافي والاقتصادي وثقلها السياسي، بل تبدو في السنوات الأخيرة وكأنها تعمل على تحويل هذه المقومات إلى قدرة فعلية على التأثير في اتجاهات المنطقة وقواعد التنافس فيها. فالمملكة التي كانت لسنوات دولة محورية لا يمكن تجاوزها عند إدارة أزمات الشرق الأوسط، تتحرك تدريجيا نحو دور أكثر طموحا: أن تصبح صانعة للتوازنات، لا مجرد طرف رئيسي داخلها.
ولا يعني هذا التحول أن الرياض تسعى إلى تأسيس محور إقليمي جديد في مواجهة محاور أخرى، ولا أنها بصدد استبدال تحالف تقليدي بتحالف آخر.
وعلى العكس، تبدو الاستراتيجية السعودية أقرب إلى بناء استقلالية استراتيجية تتيح للمملكة توسيع هامش الحركة، وتنويع الشراكات، وتقليل الاعتماد على طرف واحد، واستخدام أدوات اقتصادية ودبلوماسية وأمنية متعددة للتأثير في البيئة المحيطة.
والفارق بين الدورين جوهري. فالدولة المحورية تكون ذات أهمية بسبب وزنها، بينما الدولة الصانعة للتوازن تحاول توظيف هذا الوزن لتعديل سلوك الآخرين والتأثير في اتجاهات النظام الإقليمي نفسه.
من رد الفعل إلى صناعة البيئة الإقليمية
الاختبار الحقيقي للسعودية لن يكون في قدرتها على توقيع مزيد من الاتفاقيات أو جذب مزيد من الاستثمارات، وإنما في قدرتها على تحويل هذا الحضور المتعدد إلى تأثير فعلي في الأزمات الكبرى
خلال عقود، وجدت السعودية نفسها في كثير من الأحيان أمام أزمات لم تصنعها، لكنها اضطرت إلى التعامل مع تداعياتها. الحرب العراقية الإيرانية، والغزو العراقي للكويت، والحروب في العراق وسوريا واليمن، والتوترات مع إيران، وأزمات أمن الخليج، كلها فرضت على الرياض خيارات دفاعية وأمنية وسياسية متتابعة. لكن السنوات الأخيرة حملت تغيرا في طريقة التفكير السعودي.
وبدلا من انتظار الأزمة ثم البحث عن أدوات لاحتوائها، أصبحت الرياض أكثر اهتماما بالسؤال الأوسع: كيف يمكن بناء بيئة إقليمية تقل فيها احتمالات نشوب الأزمات أصلا؟.
ومن هنا يمكن فهم اتساع النشاط الدبلوماسي السعودي، والانفتاح على أطراف كانت العلاقات معها متوترة، ومحاولة بناء قنوات للحوار، بالتوازي مع تعزيز القدرات الدفاعية وتوسيع الشراكات الاقتصادية والاستثمارية.
إنها محاولة للانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة التوازن. وهذا التحول يعني أن الدبلوماسية السعودية لم تعد تنظر إلى الأمن بمعناه العسكري الضيق. فالاستقرار السياسي، وأمن الطاقة، وأمن الملاحة، والتجارة والاستثمار، والعلاقات الدولية المتوازنة، كلها أصبحت أجزاء مترابطة من مفهوم أوسع للأمن الوطني.
الاستقلالية الاستراتيجية لا تعني الابتعاد عن واشنطن
أحد أكثر المؤشرات وضوحا على التحول السعودي هو طريقة إدارة الرياض لعلاقاتها مع القوى الكبرى.
فالسعودية لا تبدو بصدد مغادرة الشراكة الأمنية التاريخية مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تكون علاقاتها الدولية محصورة في هذه الشراكة.
وهنا تظهر فكرة الاستقلالية الاستراتيجية. فالرياض تعمل على الحفاظ على علاقات أمنية ودفاعية قوية مع واشنطن، بينما تطور في الوقت ذاته علاقات اقتصادية واستثمارية واسعة مع الصين، وتنسق مع روسيا في ملفات الطاقة، وتوسع علاقاتها مع تركيا والهند وأوروبا وغيرها.
ولا تقوم هذه السياسة بالضرورة على الحياد بين القوى الكبرى، وإنما على رفض وضع السعودية أمام خيار ثنائي: إما واشنطن أو بكين، أو الغرب في مواجهة الشرق.
وتبدو المعادلة السعودية الجديدة أكثر براغماتية: التعاون مع الجميع، من دون الارتهان الكامل لأي طرف.
وهذا يمنح الرياض مساحة أكبر للمناورة عندما تتغير موازين القوى الدولية. فكلما زادت الخيارات المتاحة أمام الدولة، تراجعت قدرت الأطراف الأخرى على ممارسة الضغط عليها، وأصبحت أكثر قدرة على التفاوض من موقع القوة.
الصين وروسيا.. تنويع لا اصطفاف
تكشف العلاقة مع الصين عن جانب مهم من هذه الاستراتيجية.
الصين شريك اقتصادي رئيسي للسعودية، والسوق الصينية ذات أهمية كبيرة للصادرات والطاقة والاستثمارات السعودية. لكن الرياض لا تبدو راغبة في تحويل العلاقة الاقتصادية إلى تحالف سياسي أو أمني مغلق.
الأمر نفسه ينطبق على روسيا. فالتنسيق السعودي الروسي في ملفات الطاقة، ولا سيما ضمن ترتيبات “أوبك+”، لا يعني انتقال المملكة إلى المعسكر الروسي، كما أن التعاون الاقتصادي مع الصين لا يعني التخلي عن الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة.
هذه القدرة على الفصل بين الملفات تمثل إحدى ركائز الاستقلالية الاستراتيجية. فالرياض تستطيع أن تتعاون مع دولة في الطاقة، وأخرى في الدفاع، وثالثة في الاستثمار والتكنولوجيا، ورابعة في الوساطة السياسية، من دون أن تضطر إلى تحويل كل هذه العلاقات إلى تحالف واحد.
ويمنح هذا النموذج السعودية ما تحتاجه الدولة الصانعة للتوازن: تعدد الخيارات.
إيران.. إدارة التنافس بدلا من استدامة المواجهة
ربما لا يوجد ملف يوضح التحول السعودي أكثر من العلاقة مع إيران.
بعد سنوات من التنافس والصدام غير المباشر، اتجهت الرياض إلى إعادة فتح قنوات الحوار مع طهران، في خطوة تعكس إدراكا بأن استمرار التوتر المفتوح لا يخدم المصالح السعودية ولا الاستقرار الإقليمي. لكن الحوار لا يعني اختفاء التنافس.
ولا تنظر السعودية إلى إيران باعتبارها شريكا استراتيجيا بالمعنى التقليدي، كما أن الملفات الخلافية بين البلدين لم تختف. لكن الرياض تبدو أكثر اهتماما بإدارة هذه الخلافات ومنعها من التحول إلى صراع مفتوح.
وهنا تظهر فلسفة مختلفة للردع. فالردع لا يعني فقط امتلاك القدرة على الرد العسكري، بل امتلاك القدرة على منع الخصم من الوصول إلى نقطة لا يمكن بعدها احتواء التصعيد.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن يكون الحوار أداة أمنية بقدر ما هو أداة دبلوماسية. فوجود قناة اتصال في لحظة الأزمة قد يكون أكثر أهمية من عشرات التصريحات المتبادلة في زمن الهدوء.
اليمن والبحر الأحمر.. من أمن الحدود إلى أمن المجال
يكشف ملف اليمن أيضا اتساع مفهوم الأمن السعودي. فاليمن لم يعد بالنسبة إلى الرياض مجرد قضية حدودية أو ملفا عسكريا منفصلا، بل أصبح جزءا من منظومة أوسع ترتبط بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية والطاقة والتجارة.
السعودية، بحكم موقعها، معنية مباشرة بما يحدث في البحر الأحمر وباب المندب. وأي اضطراب طويل في طرق الملاحة يمكن أن ينعكس على الاقتصاد والتجارة وسلاسل الإمداد.
ولهذا فإن إدارة التوازن السعودي تتجاوز الحدود الجغرافية للمملكة. فالرياض تريد بيئة محيطة أكثر استقرارا، ليس فقط لمنع الهجمات، وإنما لحماية المشاريع الاقتصادية الكبرى وتعزيز مكانة المملكة كمركز للتجارة والاستثمار واللوجستيات. وهنا يلتقي الأمن مع الاقتصاد بصورة مباشرة.
يصعب فصل التحول في السياسة الخارجية السعودية عن التحول الداخلي الذي تقوده رؤية 2030.
فالمشروعات الاقتصادية الكبرى، وتنويع مصادر الدخل، وتطوير قطاعات السياحة والصناعة والتكنولوجيا والخدمات، واستقطاب الاستثمارات، كلها لا تمثل أهدافا اقتصادية فقط.
إنها، في بعدها الاستراتيجي، عملية إعادة بناء لمصادر القوة السعودية.
الدولة التي تمتلك اقتصادا أكثر تنوعا تستطيع تحمل الضغوط الخارجية بصورة أفضل. والدولة التي تستقطب الاستثمارات والشركات والمشروعات العالمية تصبح أكثر ارتباطا بالاقتصاد الدولي، وبالتالي أكثر قدرة على خلق مصالح متبادلة مع القوى الكبرى.
وهكذا تتحول القوة الاقتصادية إلى أداة نفوذ. فبدلا من أن يكون النفط المصدر الرئيسي للثقل السعودي، تعمل الرياض على بناء شبكة أوسع من المصالح الاقتصادية التي تجعل المملكة جزءا لا يمكن تجاوزه في حسابات الأسواق العالمية.
القوة الناعمة تتحول إلى قوة تفاوضية
التحول السعودي لا يقتصر كذلك على الاقتصاد والدبلوماسية والأمن.
فالمملكة تعمل على بناء حضور عالمي من خلال السياحة والرياضة والثقافة والفعاليات الاقتصادية والمشروعات الدولية.
وقد يبدو هذا للوهلة الأولى منفصلا عن السياسة الخارجية، لكنه في الواقع يخلق نوعا جديدا من القوة.
كلما ارتبطت مصالح شركات ودول ومؤسسات دولية بالسوق السعودية ومشروعاتها، أصبحت المملكة أكثر حضورا في حسابات هذه الأطراف.
وهنا تتحول القوة الناعمة إلى قوة تفاوضية.
لم تعد السعودية تريد أن تكون دولة مهمة فقط بسبب مواردها، بل تريد أن تصبح مركزا اقتصاديا وسياسيا يصعب على الآخرين تجاهله.
تركيا.. شريك إضافي في معادلة التوازن
تندرج العلاقة مع تركيا أيضا ضمن سياسة تنويع الشراكات.
فتركيا قوة إقليمية تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية وسياسية مؤثرة، وتحتل موقعا جغرافيا يجعلها طرفا مهما في ملفات الشرق الأوسط والبحر الأسود والقوقاز والبحر المتوسط.
لذلك فإن تطوير العلاقة السعودية التركية يضيف بعدا جديدا إلى شبكة الشراكات التي تبنيها الرياض.
لكن مرة أخرى، لا يبدو أن الهدف هو تأسيس محور سعودي تركي في مواجهة طرف آخر.
الأقرب أن الرياض تريد علاقات قوية مع تركيا إلى جانب علاقاتها مع واشنطن وبكين وموسكو وأوروبا وغيرها.
وهذا هو جوهر الاستقلالية الاستراتيجية: زيادة الشركاء من دون تحويلهم إلى أوصياء على القرار السعودي.
من امتلاك الوزن إلى توظيفه
المشكلة التي تواجه السعودية في المرحلة المقبلة ليست في امتلاك عناصر القوة، بل في تحويلها إلى نفوذ مستدام.
فالثقل الاقتصادي وحده لا يصنع التوازن، كما أن القوة العسكرية لا تكفي، والدبلوماسية لا تستطيع النجاح من دون قاعدة قوة تدعمها.
التحدي الحقيقي هو الجمع بين هذه الأدوات ضمن استراتيجية واحدة.
وإذا نجحت الرياض في ذلك، فإن موقعها الإقليمي سيتغير بصورة جوهرية.
لن تكون السعودية فقط دولة ذات وزن كبير في الشرق الأوسط، وإنما دولة تستطيع استخدام وزنها لتعديل حسابات الأطراف الأخرى.
وهنا يصبح الانتقال من “دولة محورية” إلى “دولة صانعة للتوازن” أكثر من مجرد تغيير في المصطلحات.
لا محور سعودي جديد.. بل شبكة خيارات
اليمن لم يعد بالنسبة إلى الرياض مجرد قضية حدودية أو ملفا عسكريا منفصلا، بل أصبح جزءا من منظومة أوسع ترتبط بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية والطاقة والتجارة
الأهم في التجربة السعودية الجديدة أنها لا تبدو قائمة على البحث عن محور بديل لمحور آخر.
فالرياض لا تحتاج إلى بناء تحالف مغلق كي تزيد نفوذها. بالعكس، قد يكون الانفتاح على أطراف متعددة هو مصدر قوتها الأكبر.
في عالم تتراجع فيه القدرة على الاعتماد على قوة واحدة لضمان الأمن والاستقرار، تصبح الدولة التي تمتلك شبكة واسعة من العلاقات أكثر قدرة على حماية مصالحها.
ولهذا فإن السعودية تبدو وكأنها تبني شبكة بدلا من محور، وتوسع الخيارات بدلا من اختيار معسكر، وتراكم الشراكات بدلا من التبعية.
هذه الاستراتيجية تمنحها مرونة أكبر في التعامل مع التحولات المفاجئة، لكنها تفرض عليها في المقابل مسؤولية أكبر في إدارة هذه العلاقات.
فكلما زاد عدد الشركاء، أصبحت الحاجة أكبر إلى وضوح المصالح وتحديد الأولويات.
اختبار المرحلة المقبلة
الاختبار الحقيقي للسعودية لن يكون في قدرتها على توقيع مزيد من الاتفاقيات أو جذب مزيد من الاستثمارات، وإنما في قدرتها على تحويل هذا الحضور المتعدد إلى تأثير فعلي في الأزمات الكبرى.
هل تستطيع الرياض مواصلة إدارة التنافس مع إيران دون العودة إلى المواجهة؟ وهل يمكنها الحفاظ على شراكتها الأمنية مع واشنطن مع تعميق علاقاتها مع الصين؟ وهل تستطيع تحويل موقعها الجغرافي إلى قوة في أمن البحر الأحمر والخليج؟ وهل يمكن لرؤية 2030 أن توفر قاعدة اقتصادية طويلة الأمد لدور سعودي أكثر استقلالية؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كان التحول السعودي مجرد مرحلة في السياسة الخارجية أم إعادة تعريف طويلة المدى للدور الإقليمي للمملكة.
وفي المحصلة، تبدو السعودية الجديدة أقل اهتماما بفكرة قيادة محور، وأكثر اهتماما ببناء مركز ثقل مستقل.
فالرياض لا تسعى بالضرورة إلى أن تختار المنطقة بين السعودية وغيرها، وإنما تريد أن تصبح مصالحها جزءا من المعادلة التي لا يمكن لأي طرف أن يتجاهلها.
وهذا هو جوهر الانتقال من الدولة المحورية إلى الدولة الصانعة للتوازن: ألا تكون السعودية مجرد قوة كبيرة داخل النظام الإقليمي، بل قوة قادرة على التأثير في شكل هذا النظام نفسه.
























