محمد صلاح جسر شعبي وديبلوماسي يعزز التقارب بين القاهرة وأنقرة

2026/08/15م

(عاد/ القاهرة) متابعات:

أعرب وزير الخارجية المصرية بدر عبد العاطي عن “خالص الامتنان” للشعب التركي على حفاوة الاستقبال التي حظي بها النجم المصري محند صلاح في تركيا. وقال خلال مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في العلمين إنها “لامست قلوبنا جميعاً”، مشيداً بالنجم المصري.

أما فيدان، فأكد أن الاستقبال الحار وانتقال صلاح يعززان التشارك بين الشعبين، معتبراً الصفقة تجسيداً لـ”تعانق” المصريين والأتراك. جاءت هذه التصريحات في سياق مباحثات رسمية حول تعزيز التعاون الثنائي في مجالات التجارة والأمن الإقليمي، بما في ذلك قضايا غزة والسودان وسوريا، مع أهداف لرفع حجم التجارة إلى 15 مليار دولار.

هذا المؤتمر لم يكن مجرد لقاء دبلوماسي روتيني، بل تحول إلى منصة أبرزت الدور غير المباشر الذي لعبه محمد صلاح في رسم ملامح مشهد جديد بين القاهرة وأنقرة. الانتقال الذي أتمّه النجم المصري إلى نادي طرابزون سبور في بداية أغسطس 2026 تجاوز حدود الصفقة الرياضية ليصبح رمزاً شعبياً يعكس مرحلة التقارب التي دخلتها العلاقات المصرية-التركية بعد سنوات من التوتر.

وبدأت القصة فعلياً مع رحيل صلاح عن ليفربول في يونيو 2026 بعد تسع سنوات مليئة بالإنجازات. اختار اللاعب، الذي يبلغ الرابعة والثلاثين من عمره، الدوري التركي على عروض مغرية من الأندية السعودية والأميركية. وقع عقداً لموسمين مع طرابزون سبور براتب يقارب 17 مليون يورو سنوياً، إضافة إلى نسبة من عائدات بيع القمصان التي تحمل اسمه ورقم 10.

ورسم وصوله إلى مطار أتاتورك في إسطنبول مرتدياً قميص النادي، ثم انتقاله إلى طرابزون وسط حشود هائلة وألعاب نارية ولافتات عملاقة، صورة احتفالية غير مسبوقة. لم يكن الاستقبال مجرد ترحيب بلاعب عالمي، بل احتفاء بشخصية مصرية عربية مسلمة تحمل رمزية خاصة لدى الجمهور التركي.

وكان السفير التركي في القاهرة، صالح موطلو شن، من أوائل من ربطوا الحدث بالبعد الثقافي. وأكد أن الحفاوة التي أبدتها جماهير طرابزون تعكس تقارباً إنسانياً يتجاوز الإعجاب الرياضي، مشيراً إلى أن اسم “محمد” وجنسيته المصرية يمنحانه ألفة طبيعية داخل المجتمع التركي.

هذه التصريحات جاءت في توقيت يشهد فيه البلدان تحسناً ملحوظاً في العلاقات منذ عام 2024، بعد زيارات متبادلة بين الرئيسين عبد الفتاح السيسي ورجب طيب أردوغان، وتوقيع عشرات الاتفاقيات في مجالات التجارة والاستثمار والأمن.

وتحولت العلاقة من مرحلة التنافس الأيديولوجي الحاد التي أعقبت أحداث 2013 إلى مرحلة إدارة براغماتية للمصالح المشتركة، رغم استمرار بعض الخلافات حول ملفات إقليمية مثل ليبيا والسودان وسوريا.

وفي هذا السياق، أصبح صلاح جسراً شعبياً غير مقصود. وبدات الجماهير المصرية تتابع الدوري التركي باهتمام أكبر، بينما تفاعل الأتراك مع النجم المصري بطريقة أظهرت ذوبان بعض الحساسيات القديمة. وانتشرت على وسائل التواصل مقاطع لجماهير طرابزون ترقص على أغانٍ مصرية، وردود مصرية بعبارات تركية، في مشهد كان يصعب تخيله قبل سنوات قليلة. حتى بعض المسؤولين المحليين في طرابزون انخرطوا في الاحتفاء، مقدّمين عروضاً رمزية تعكس الرغبة في تعزيز الروابط.

هذه التفاعلات الشعبية منحت الدبلوماسية الرسمية زخماً إضافياً، وسمحت لوزيري الخارجية بالإشارة إلى الصفقة كدليل حي على “تعانق” الشعبين.

يحمل محمد صلاح في ذاته رمزية وطنية مصرية قوية، إذ يُنظر إليه داخل مصر كأيقونة وطنية تتجاوز الرياضة. ورغم أن شعبيته في تركيا ليست جديدة؛ فقد كان يتابعه الجمهور التركي منذ سنواته الذهبية مع ليفربول، فإن وجوده الآن داخل الدوري التركي يعزز هذه الشعبية ويحولها إلى أداة قوة ناعمة.

ويقارن المحللون تأثيره بما حققه سابقاً في بريطانيا، حيث ساهم سلوكه المنضبط وقدوته في تخفيف بعض مظاهر التوتر الثقافي. بالمثل، قد يسهم وجوده في تركيا في تقديم صورة إيجابية عن مصر لدى قطاعات أوسع من المجتمع التركي.

ومع ذلك، فإن الدبلوماسية الرياضية ليست طريقاً ممهداً بالكامل. بعض التحليلات حذرت من أن تألق صلاح مع طرابزون قد يثير حساسيات لدى جماهير الأندية المنافسة، خاصة بعد فشل مفاوضات سابقة مع بشكتاش. مزاج الجماهير التركية معروف بتقلبه، وأي تراجع في الأداء قد يحول الاحتفاء إلى انتقاد، مما قد ينعكس سلباً على الصورة العامة.

يذكر أنه في المؤتمر الصحفي بالعلمين، لم تقتصر التصريحات على الإشادة بصلاح. تحدث الوزيران عن تقارب في الرؤى حول قضايا إقليمية حساسة، وأكدا حرص البلدين على تطوير التعاون الاقتصادي والاستثماري. الهدف المعلن برفع حجم التجارة إلى 15 مليار دولار يعكس الطموح المشترك، بينما جاءت الإشارة إلى غزة والسودان وسوريا لتؤكد أن التقارب لا يعني توافقاً كاملاً في كل الملفات، بل إدارة مشتركة للاختلافات. في هذا الإطار، جاءت صفقة صلاح كعنصر مكمل يضيف البعد الإنساني والشعبي إلى الجهود الرسمية.

ورغم أن محمد صلاح لم “يهندس” المشهد الدبلوماسي بالمعنى التقليدي للكلمة. إذ لم يجلس في غرف المفاوضات ولم يوقع أي اتفاقيات. لكنه، بقوته الناعمة وشعبيته العابرة للحدود، خلق مساحة مشتركة جمعت المصريين والأتراك حول هدف واحد على المستطيل الأخضر.

وأصبح النجم المصري شاهداً حياً على قدرة الرياضة على تحقيق ما تعجز عنه أحياناً الدبلوماسية التقليدية. سواء استمر هذا الزخم أم خفت، فإن المشهد الذي رسمه في أغسطس 2026 سيبقى جزءاً من تاريخ التقارب المصري-التركي، يذكر بأن الروابط الشعبية قد تكون أعمق وأبقى من التصريحات الرسمية.

اضف تعليقك