(عاد/ بروكسل) متابعات:
صعود شخصيات أمريكية قادمة من أجهزة الاستخبارات إلى مواقع سياسية مؤثرة يؤجج الجدل حول طبيعة العلاقة بين الأمن والسياسة.
ويشهد الحزب الديمقراطي الأمريكي تنوعاً واسعاً في تياراته الداخلية، بدءاً من الجناح التقدمي وتجمع السود في الكونغرس، مروراً بمجموعة “الفرقة” وتحالف “الكلاب الزرقاء”.
إلا أن السنوات الأخيرة شهدت بروز اتجاه جديد يتمثل في صعود شخصيات قادمة من أجهزة الاستخبارات والأمن القومي إلى مواقع سياسية مؤثرة، وهو تطور أثار نقاشاً متزايداً حول طبيعة العلاقة بين مؤسسات الأمن والديمقراطية.
وبحسب تقرير نشره موقع “ذا إنترسبت”، يرى عدد من المنتقدين أن ما يمكن وصفه بـ”تكتل الاستخبارات” داخل الحزب الديمقراطي بدأ يتشكل منذ عام 2019 مع صعود شخصيات مثل إليسا سلوتكين وأبيجيل سبانبرغر، اللتين عملتا سابقاً في وكالة المخابرات المركزية قبل دخولهما الحياة السياسية.
وخلال سنوات قليلة، تمكنت كلتاهما من تعزيز نفوذهما داخل الحزب؛ إذ انتقلت سلوتكين إلى مجلس الشيوخ، بينما أصبحت سبانبرغر حاكمة لولاية فرجينيا وواحدة من أبرز الوجوه الديمقراطية على الساحة الوطنية.
ويرى فريق أن صعود مسؤولين سابقين في أجهزة الاستخبارات إلى المناصب المنتخبة لا ينبغي التعامل معه بوصفه تطوراً عادياً، بل باعتباره ظاهرة تستحق التدقيق، خاصة أن هذه المؤسسات تقوم بطبيعتها على السرية والعمل بعيداً عن الرقابة العامة المباشرة.
وفي المقابل، يجادل المدافعون عن هؤلاء السياسيين بأن خبراتهم في ملفات الأمن القومي والسياسة الخارجية تمثل قيمة مضافة في عالم يشهد تحديات دولية متزايدة.
سبانبرغر والجدل حول الوعود السياسية
تُعد أبيجيل سبانبرغر من أكثر الشخصيات التي أثارت الجدل في هذا السياق.
فمنتقدوها يشيرون إلى أنها واجهت انتقادات من بعض النقابات والمنظمات الحقوقية بعد استخدامها حق النقض ضد عدد من مشاريع القوانين التي كانت تحظى بدعم داخل الحزب الديمقراطي، ومنها تشريعات تتعلق بحقوق العاملين في القطاع العام وبعض ملفات الهجرة.
وبالنسبة لهؤلاء المنتقدين، فإن تلك القرارات أثارت تساؤلات حول مدى التزامها بالوعود التي قدمتها خلال حملتها الانتخابية.
كما يعتبرون أن خلفيتها المهنية في العمل الاستخباراتي تجعل من الصعب على الناخبين فهم مواقفها السياسية الحقيقية بصورة كاملة، مستشهدين بطبيعة العمل الاستخباراتي الذي يعتمد على السرية واستخدام الهويات غير الحقيقية في بعض المهام.
وفي المقابل، يرى مؤيدو سبانبرغر أن الربط بين عملها السابق في الاستخبارات وقراراتها السياسية الحالية ينطوي على قدر من التبسيط، مؤكدين أن مواقفها تعكس رؤية سياسية مستقلة أكثر منها امتداداً لخلفيتها المهنية السابقة.
إرث الوكالة والجدل الأيديولوجي
جانب آخر من الانتقادات يتركز حول مواقف سبانبرغر من التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي.
فقد أثارت تصريحات سابقة لها بشأن مصطلح “الاشتراكية” جدلاً واسعاً داخل الأوساط الديمقراطية، حيث اعتبرها البعض تعبيراً عن موقف رافض لصعود اليسار داخل الحزب.
ويذهب بعض الكتاب والمحللين إلى ربط هذه المواقف بتاريخ وكالة المخابرات المركزية خلال الحرب الباردة، حين لعبت أدواراً مثيرة للجدل في مواجهة الحركات اليسارية حول العالم.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن بعض المسؤولين القادمين من المؤسسات الأمنية قد يحملون معهم رؤى سياسية متأثرة بثقافة تلك المؤسسات، بينما يرفض آخرون هذا الربط ويعتبرونه تعميماً غير دقيق لا يمكن تطبيقه على جميع الأفراد.
سلوتكين والأمن القومي
أما إليسا سلوتكين، فقد شكلت خلفيتها في وكالة المخابرات المركزية وعملها لاحقاً في مؤسسات الأمن القومي محوراً رئيسياً في الجدل الدائر حولها.
ويشير منتقدوها إلى أن عملها خلال سنوات الحرب في العراق يثير تساؤلات حول طبيعة الدور الذي لعبته في تلك المرحلة، وإن كانوا يقرون بعدم وجود معلومات كافية تسمح بإصدار أحكام قاطعة بشأن مسؤولياتها المباشرة.
كما يلفت هؤلاء إلى مواقفها المتشددة نسبياً في ملفات السياسة الخارجية، وخاصة ما يتعلق بإيران والصين، معتبرين أن رؤيتها تنطلق في كثير من الأحيان من منظور أمني واستراتيجي أكثر من كونها رؤية دبلوماسية أو سياسية.
في المقابل، يرى مؤيدوها أن خبرتها الطويلة في قضايا الأمن القومي تجعلها أكثر قدرة على فهم التحديات الدولية التي تواجه الولايات المتحدة.
بين الأمن والديمقراطية
في جوهر هذا النقاش يبرز سؤال أوسع من الأشخاص أنفسهم: هل يمكن التوفيق بين ثقافة العمل الاستخباراتي ومتطلبات الديمقراطية التمثيلية؟
فمنتقدو توسع حضور ضباط الاستخبارات السابقين في السياسة يرون أن المؤسسات الأمنية تميل بطبيعتها إلى السرية وتركيز السلطة، وهي قيم قد تتعارض مع مبادئ الشفافية والمساءلة الشعبية.
في المقابل، يؤكد المدافعون عن هذا التوجه أن الخلفية المهنية لا ينبغي أن تكون معياراً للحكم على السياسيين، وأن الناخبين يجب أن يقيموا المرشحين بناءً على مواقفهم وأدائهم في المناصب العامة، لا على الوظائف التي شغلوها في الماضي.
وفي النهاية، يعكس هذا الجدل انقساماً أعمق داخل السياسة الأمريكية بشأن حدود نفوذ مؤسسات الأمن القومي ودورها في الحياة العامة.
فبينما يرى البعض أن صعود مسؤولي الاستخبارات السابقين يمثل امتداداً طبيعياً لمسيرة الخدمة العامة، ينظر آخرون إليه باعتباره تطوراً يستوجب الحذر والمساءلة المستمرة.
وبين هذين الموقفين، يبقى الحكم النهائي للناخبين، الذين يملكون وحدهم حق تحديد ما إذا كانت الخبرة الاستخباراتية تمثل مؤهلاً إضافياً للقيادة أم سبباً لمزيد من التدقيق والشكوك.





















