(عاد| تونس) متابعات:
بعد ظهر الجمعة، ومن دون مقدمات، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أن مضيق هرمز أصبح «مفتوحاً بالكامل» أمام السفن التجارية.
لكن بعد ساعات فقط، ذكّر الحرس الثوري الإيراني، عباس عراقجي والعالم بمن يملك السلطة الحقيقية، ففيما بدا توبيخاً واضحاً، أعلن أنه ما زال يحتفظ بـ«إدارة وسيطرة صارمتين» على الممر المائي، وأطلق النار على سفن حاولت العبور.
وبعد يومين، ظل وزير الخارجية يتعرض لهجوم من التيار المتشدد في طهران. فقد طالبت صحف عراقجي بالتراجع عن قراره، وانتقده التلفزيون الرسمي لأنه أعلن قراره عبر منصة «إكس» بدلاً من شرحه للإيرانيين. وفي المقابل، دافع بعض المسؤولين ووسائل الإعلام المعتدلة عن فتح المضيق، لكن بتفسيرات متناقضة.
انقسامات
هذا الارتباك ورد الفعل الداخلي السريع بديا مؤشرين على وجود انقسامات حول التخلي عن «أهم ورقة ضغط» تملكها إيران في مواجهة واشنطن.
وكانت صحيفة «التلغراف»، قد ذكرت سابقاً أن الحرس الثوري بات يسيطر على صنع القرار الإيراني بدلاً من المسؤولين السياسيين.
ويكشف هذا الجدل ليس عن خلاف سياسي، بل عن «خلل مؤسساتي»؛ فالموقف التفاوضي الإيراني لا يزال غامضاً حتى بالنسبة للمواطنين الإيرانيين، والشركاء الأجانب، وربما حتى للمسؤولين الإيرانيين أنفسهم.
ومن شبه المؤكد أن عراقجي لا يملك سلطة مستقلة لإعادة فتح أهم نقطة اختناق نفطي في العالم. فهذا القرار يحتاج إلى موافقة المرشد الأعلى وتنفيذه من قبل الحرس الثوري.
لكن عندما يعلن وزير الخارجية سياسة معينة، ثم يناقضه الحرس الثوري بعد ساعات، يبرز السؤال: «من يتحدث باسم إيران؟» والجواب يعتمد ببساطة على هوية المتحدث.
ضعف الرواية الإيرانية
وقال المحلل السياسي المقيم في طهران مصطفى نجفي: «مرة أخرى انكشف ضعف إيران في صناعة الرواية»، مضيفاً أن ترامب «سيطر فوراً على السردية».
وقال ترامب إن إيران وافقت على تسليم اليورانيوم المخصب، وأصر على أن إعادة فتح المضيق «لا علاقة لها بلبنان»، رغم أن عراقجي استند إلى وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لتبرير الخطوة.
وادعى ترامب أن إيران قدمت تنازلات، بينما أبقى الحصار البحري الذي كان يفترض أن تستخدمه طهران كورقة ضغط لانتزاع تلك التنازلات.
ويرى إيرانيون أنه لو كانت هناك مفاوضات حقيقية، لكان الحصار الأمريكي قد رُفع مقابل إعادة فتح هرمز. لكن ما حدث أن ترامب حصل على إعادة الفتح، مع الإبقاء على الضغط، ما أوحى بأن إيران قدمت تنازلات من دون مكاسب، وهو ما أثار غضب المتشددين في طهران.
وتركت السلطات الإيرانية ترامب يفرض روايته للأحداث أياماً قبل أن تحاول توضيح موقفها، ثم جاءت الانتقادات الداخلية وفق نمط مألوف.
فنشر حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان» المتشددة والمُعيّن من قبل علي خامنئي، رسالة مفتوحة طالب فيها عراقجي بـ«التراجع» عن القرار.
كما تساءل محمد جعفر خسروي، مقدم في التلفزيون الرسمي، لماذا يعلن المسؤولون السياسة للأجانب عبر وسائل التواصل بدلاً من شرحها للإيرانيين، قائلاً: «خاطبونا في الشوارع لا على منصة إكس».
واشتكت وكالة «فارس» المقربة من الحرس الثوري من أن «المجتمع الإيراني دخل في ضباب من الارتباك». وواصل المنتقدون مهاجمة عراقجي.
خلل في النظام
ويكشف هذا الاستهداف الانتقائي بنية السلطة في إيران، حيث يمكن مهاجمة الدبلوماسيين علناً لأنهم لا يملكون سلطة الرد، بينما يبقى القادة العسكريون محصنين لأنهم يسيطرون على التنفيذ.
وحاول رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف احتواء الأزمة في مقابلة تلفزيونية مساء السبت، موضحاً أن إعادة فتح المضيق كانت مشروطة منذ البداية بوقف النار في لبنان.
لكن تفسيره جاء متأخراً أياماً، وموجهاً لجمهور مختلف، وعبر وسيلة مختلفة، مقارنة بإعلان عراقجي الأول.
أزمة أعمق من مجرد خلاف سياسي
هذا التشظي خلق مشكلات جوهرية في أي مفاوضات. فعادة ما كان المرشد الأعلى يحسم الخلافات، ويفرض الانضباط في الرسائل، ويقدم موقفاً موحداً. لكن بقاء جثمان علي خامنئي من دون دفن، وغموض سلطة ابنه مجتبى، يعني أن آلية تسوية صراعات النخبة لم تعد تعمل.
غير أن الانهيار المؤسسي أعمق من مجرد عجز القيادة العليا. فقد قُتل علي لاريجاني الشهر الماضي، وكان يؤدي سابقاً دور الوسيط بين مراكز القوى المتنافسة ويفرض التنسيق بينها.
أما من خلفه في منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، محمد باقر ذوالقدر، فجاء مباشرة من صفوف الحرس الثوري، لا من الدوائر السياسية.
وكان لاريجاني قادراً على فرض الانضباط على المؤسسات المدنية والعسكرية معاً، بينما يمثل ذوالقدر مصالح الحرس الثوري، ما أزال الحكم المحايد الذي كان يمنع هذا النوع من التنافس العلني بين مؤسسات الدولة.
وفي غياب سلطة قادرة على فرض الانضباط، باتت مراكز قوى متعددة تتحدث باسم إيران في الوقت نفسه.
























