حين رفع موظفو مؤسسة القلب السماعة ليبشروا 150 مريضا بقبولهم في العمليات المجانية بمخيم هذا الأسبوع في المكلا، كان الموت قد سبق رنة الهاتف.
نقل لي الأستاذ محمد باشعيب المأساة بصوت مسجور بالوجع، وفي عينيه أبصرت مأتما مفتوحا لكل هذه الأرواح التي لم يمهلها الوقت، وثمة الآلاف بعد على شفير الاحتضار.
منذ زهاء 38 عاما وهذا الرجل يسابق الموت، تكفل الملك فهد بمداواة قلبه في المملكة ونجا بأعجوبة طبية، لينذر ما تبقى من نبضه حينئذ لرد الدين لكل قلب يمني ينازع.
مع بواكير الألفية شرع في الرحلة بمبادرته البكر في صنعاء، وفي 2009 غرس في المكلا مؤسسة أمراض القلب، صرح طبي يتحول اليوم إلى وجهة استشفائية تفوق في أثرها وزارة الصحة ومجلس الوزراء مجتمعين، فهنا تجرى عمليات تكلف الواحدة من 6 إلى 15 ألف دولار، مجانا ودون منة.
لكنه هنا أيضا يواجه القرار الصعب بين حياة مريض أو موته. أخبرني عن عرض كان ممكنا بجرة قلم لـ 2000 قلب واهن، لكنه رفضه بصلابة، لأن المانح طمع بتسييس النبض وفرض أجندات حزبية.
آثر إذن باشعيب أن يظل المركز حرا، فما قيمة القلب الذي ينبض بالإكراه؟ ففي إيمانه أن استقلال نبض الحياة هو الضمان الوحيد لتبقى المؤسسة قبلة لليمنيين تجمع ما فرقته الحرب والسياسة من صعدة إلى المهرة.
لا يتوقف الأمر عند المشرط، يمتد أثر الرجل لما وراء غرف الجراحة، فالمعسرون القادمون من بعيد الذين يبكون عجزهم عن دفع ثمن الوصول إلى هنا، يجدون باشعيب يسعى لهم سرا، وحين سألته عن ذلك، أشاح بوجهه عن الكاميرا بخجل الكرام.
وكي لا تبيت كرامة الأطفال والنساء والكهول على الأرصفة أو في الساحات بانتظار دورهم، يتكفل بسكنهم، ويسابق الضوء الآن لبناء عمارة سكنية خلف المركز لتكون مأوى كريما لكل هؤلاء المتعبين.
عقد ونصف من الإنسانية أثمرت 7 آلاف عملية قلب مفتوح، وآلاف القساطر، ومصنع أكسجين للمركز لا يتوانى عن ضخ 100 أسطوانة يوميا.
وبينما يحمل مركز الملك سلمان الهم الأكبر، يسابق تجارنا الريح لبناء المآذن وحدها، غافلين عن أن إحياء النفس صلاة أسمى، يكدسون المدينة بالمساجد بملايين الملايين، تاركين قائمة انتظار مفجعة تضم الآلاف ممن يستجدون صماما للحياة، 35 منهم في هذا الأسبوع وحده انزلقوا من بين أيدينا، كأن ضمائر المصلين في سبات.
وحده هذا الرجل محمد باشعيب، ضمير يمشي بيننا على قدمين، يدير بقلبه المنهك معركة اليمنيين ضد العدم، وفي كل نبضة قلب تعود لمريض، يبرهن أن رجلا واحدا بصدق أمة، يمكنه أن يفعل ما تراخت عنه خزائن أثريائنا وكراسي حكامنا الغافلين.




















