(عاد/المسيلة)متابعات:
في بلد أنهكته الحرب وتراجعت فيه موارد الدولة وتفاقمت أزمات الكهرباء والخدمات، تصبح حماية المؤسسات الوطنية المنتجة مسؤولية عامة، وتغدو محاولات الإساءة إليها أو إقحامها في الصراعات السياسية خطرًا تتجاوز تداعياته حدود المؤسسة المستهدفة، لتطال الاقتصاد ومعيشة المواطنين وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية التعامل المسؤول مع شركة المسيلة لاستكشاف وإنتاج البترول «بترومسيلة»، باعتبارها مؤسسة وطنية تعمل في قطاع استراتيجي يرتبط بالنفط والطاقة والكهرباء. فهذه القطاعات تمس مصالح ملايين اليمنيين، ولا تحتمل تحويل مؤسساتها إلى ساحات لتصفية الحسابات أو إطلاق الاتهامات دون أدلة قابلة للفحص والتحقق.
وقد أعاد البيان التوضيحي الصادر عن الشركة التأكيد على حقيقة أساسية تتعلق بهويتها وملكيتها؛ إذ أوضحت بترومسيلة أنها مملوكة بالكامل للحكومة اليمنية، بموجب قرار إنشائها الصادر في 17 نوفمبر 2011م، ونفت امتلاك أي شخص أو كيان آخر حصصًا أو أسهمًا فيها. وهذا التوضيح يضع النقاش في إطاره الصحيح: الحديث يدور عن مؤسسة عامة، وأي ضرر يلحق بقدرتها على العمل أو بسمعتها المؤسسية يمكن أن ينعكس على المصلحة العامة.
ملكية الدولة ليست موضعًا للتوظيف السياسي
إن توجيه اتهامات تتعلق بملكية مؤسسة عامة أو ارتباطاتها يستلزم الاستناد إلى وثائق واضحة، مع إتاحة المجال للرد والتوضيح. فالخلط بين المؤسسة والعاملين فيها، أو بين العلاقات التشغيلية والادعاءات السياسية، قد ينتج صورة مضللة تضر بثقة المجتمع في مؤسساته وتفتح الباب أمام استهدافها خارج الأطر المهنية والقانونية.
ووفقًا لبيان بترومسيلة، فإن محافظة حضرموت هي المقر الرئيسي لأنشطتها التي تشمل استكشاف النفط وإنتاجه وتكريره وتشغيل القطاعات والمنشآت التابعة لها. وتلك طبيعة عمل تستدعي الاستقرار الإداري والفني واستمرار التنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء، بعيدًا عن الضغوط التي تسعى إلى إخضاع النشاط الاقتصادي لحسابات الخصومة السياسية.
وترى صحيفة عدن الغد أن الدفاع عن هذه الصفة الوطنية يقتضي رفض تحويل الشركة إلى عنوان للاستقطاب، ورفض تحميلها اتهامات عامة تفتقر إلى الإسناد. وفي الوقت نفسه، فإن صون مكانتها يرتبط باستمرار الشفافية وتوفير المعلومات والاحتكام إلى مؤسسات الرقابة المختصة، بما يحفظ المال العام ويمنع استغلال الفراغ المعلوماتي في نشر الشائعات.
النفط والكهرباء في قلب المصلحة العامة
لا تنحصر أهمية بترومسيلة في نشاطها النفطي، إذ يشير بيانها إلى مساهمة كوادرها، تنفيذًا لتوجيهات الحكومة، في إنشاء وتشغيل محطة وادي حضرموت الغازية في القطاع 10 ومحطة عدن الكهربائية – الرئيس، بقدرة إجمالية تبلغ 264 ميجاوات.
وهذا الارتباط بقطاع الكهرباء يمنح استقرار عمل الشركة بعدًا خدميًا مباشرًا. فالمواطن الذي يعاني انقطاع التيار يحتاج إلى انتظام تشغيل المحطات وصيانتها وتوفير احتياجاتها، وهي مهام تتطلب بيئة عمل مستقرة وقرارات فنية وإدارية تستند إلى احتياجات التشغيل.
ومن هنا، فإن أي ضغط يفضي إلى تعطيل مهام الشركة أو إرباك كوادرها أو تعقيد تعاملاتها قد يضيف أعباء جديدة إلى قطاع يعاني أصلًا من أزمات متراكمة. ويكمن الخطر في أن تبعات هذا الإرباك لا تتوقف عند المكاتب والإدارات، بل قد تصل إلى المنازل والمستشفيات والمنشآت التجارية والخدمية.
ولهذا، فإن الحفاظ على قدرة بترومسيلة على أداء مهامها ينبغي أن يكون مصلحة مشتركة تتقدم على الخلافات، وأن تحظى كوادرها الفنية والإدارية ببيئة تسمح لها بالعمل وتحمل المسؤولية، مع إخضاع الأداء للتقييم والمساءلة وفق المعايير المؤسسية.
تحديد المسؤوليات يمنع التضليل
ومن التوضيحات المهمة الواردة في بيان الشركة تأكيدها أن اللجنة الحكومية العليا لتسويق النفط الخام هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن تسويق النفط وبيعه وتوريد عوائده إلى الحساب العام للدولة في البنك المركزي اليمني بعدن.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في أي نقاش بشأن الموارد النفطية، لأن التمييز بين مهام الإنتاج والتشغيل ومهام التسويق وتحصيل الإيرادات شرط للوصول إلى مساءلة صحيحة. أما جمع هذه الاختصاصات المختلفة تحت اسم جهة واحدة، ثم بناء الاتهامات على هذا الخلط، فيحجب المسؤوليات الفعلية ويضر بقدرة الرأي العام على فهم كيفية إدارة القطاع.
كما ذكرت الشركة أن صادرات النفط الخام توقفت منذ نوفمبر 2022م نتيجة الاعتداءات التي استهدفت موانئ التصدير وأدت، بحسب بيانها، إلى تدمير عوامات التصدير. ويعكس ذلك حجم الظروف الصعبة التي يعمل فيها القطاع، والحاجة إلى حماية ما تبقى من قدراته التشغيلية وتجهيزاته وكفاءاته.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح الحفاظ على المؤسسات القائمة ضرورة اقتصادية؛ فتعطيلها يفاقم الخسائر ويجعل استعادة النشاط أكثر تعقيدًا وكلفة، بينما يسهم استمرار جاهزيتها في إبقاء فرص التعافي قائمة متى توفرت الظروف الملائمة.
اتهامات تحتاج إلى أدلة ومسؤولية مهنية
وتطرقت بترومسيلة في بيانها إلى تقرير إعلامي تضمن، وفق وصفها، اتهامات باطلة وغير مستندة إلى أدلة بشأن ارتباطات بين قيادات حوثية وشركات يمنية، من بينها بترومسيلة. وأكدت أنها تواصلت رسميًا مع الجهة الناشرة وقدمت استفسارات بشأن المعلومات، مشيرة إلى حذف المقطع محل الاعتراض من المنصة الرسمية.
وتستوجب هذه الواقعة التمسك بأصل مهني واضح: الاتهامات الجسيمة يجب أن تُعرض بأدلتها، وأن يُنشر رد الجهة المعنية عليها بوضوح. كما أن معالجة أي خطأ، متى ثبت، تستلزم تصحيحًا يتيح للجمهور معرفة الحقيقة ويحد من استمرار تداول المعلومات غير الدقيقة.
فالمؤسسات الاقتصادية والخدمية تعتمد في تعاملاتها على الثقة، وقد تتجاوز آثار الادعاءات غير المثبتة المجال الإعلامي إلى إرباك علاقات العمل وإثارة الشكوك لدى الموردين والشركاء والعاملين. ولذلك فإن الدقة هنا ترتبط بمسؤولية فعلية تجاه مصالح عامة، وليست مجرد إجراء تحريري.
ولا يخدم المجتمع نشر اتهام واسع ثم تركه يتداول دون مستندات أو متابعة. وما يحتاجه الجمهور هو معلومات يمكن التحقق منها، وتحديد واضح للوقائع والمسؤوليات، وفصل بين الخبر والرأي والاستنتاج.
الشراكات التشغيلية تحتاج إلى الاستقرار
وأشار بيان بترومسيلة إلى وجود شراكات مؤسسية وعمليات مستمرة مع الحكومة السعودية ضمن اتفاقية المنحة السعودية التي يشرف عليها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، وتتصل بالأطر التشغيلية والتجارية لقطاع الطاقة.
وبحسب الشركة، شمل التعاون توفير الوقود ومواد الطاقة اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء، إلى جانب التعامل مع شركات عالمية متخصصة في خدمات التوربينات والمعدات الكهربائية.
وتوضح هذه الجوانب أن عمل الشركة يقوم على سلسلة من العلاقات الفنية والتعاقدية التي تحتاج إلى انتظام الإجراءات واستقرار الإدارة ووضوح المسؤوليات. وأي محاولة لجر هذه العلاقات إلى خصومات سياسية قد تربك أعمالًا تمس احتياجات المواطنين الأساسية.
ومن الواجب أن تُناقش هذه الشراكات على أساس وثائقها وأهدافها ونتائجها، وأن تُراجع عبر الجهات المختصة، مع حماية استمرار الأعمال الضرورية. فالمصلحة العامة تقتضي الجمع بين كفاءة التشغيل وسلامة الإجراءات والرقابة على الإنفاق.
حماية المؤسسة والمساءلة مسؤوليتان متلازمتان
إن رفض الإساءة إلى بترومسيلة أو تعطيل مهامها لا يمنح إدارتها أو موظفيها حصانة من السؤال. فكونها مؤسسة عامة يجعل الشفافية والمساءلة جزءًا أصيلًا من واجباتها، ويعطي المجتمع حق الاطلاع على المعلومات التي يتيحها القانون بشأن أدائها ومواردها والتزاماتها.
لكن المساءلة الفاعلة تبدأ بوقائع محددة ووثائق وإجراءات معلومة، وتستهدف معالجة الخلل وحماية المال العام واستمرار الخدمة. أما التشهير والاتهامات المرسلة فيمكن أن يضعفا المؤسسة دون أن يكشفا مخالفة أو يستردا حقًا.
ولهذا ينبغي أن يُحال أي ادعاء جدي إلى الجهات الرقابية والقضائية المختصة، وأن تتاح للشركة فرصة الرد وتقديم مستنداتها، وأن تُعلن النتائج وفق القانون. ومن شأن هذا المسار أن يحمي المؤسسة من الظلم، ويمنع في الوقت نفسه التستر على أي تجاوز يثبت وقوعه.
كما أن إعلان بترومسيلة احتفاظها بحقوقها القانونية تجاه ناشري المعلومات التي وصفتها بالمضللة يضع معالجة النزاع في إطار يمكن فيه فحص الأدلة وتحديد المسؤوليات، بعيدًا عن تبادل الاتهامات وتصعيد الخصومات.
إبعاد المؤسسات المنتجة عن صراعات النفوذ
الخطر الأكبر في تسييس المؤسسات العامة هو أن تتحول قراراتها التشغيلية والإدارية إلى رهينة للولاءات والضغوط، وأن يُقاس أداؤها بموقعها من الأطراف المتصارعة بدلًا من قدرتها على الإنتاج وتقديم الخدمة والالتزام بالقانون.
وإذا امتد هذا المنطق إلى مؤسسة تعمل في النفط والطاقة، فإن الخسائر المحتملة تصبح أوسع؛ إذ قد تتأثر استمرارية الأعمال، وتتراجع ثقة الكفاءات ببيئة العمل، وتزداد صعوبة التخطيط والصيانة والتعاقد. وهي مخاطر تستدعي موقفًا واضحًا من الحكومة والجهات المعنية لحماية استقلال القرار الفني ضمن الأطر القانونية والمؤسسية.
وتؤكد صحيفة عدن الغد أن بترومسيلة ينبغي أن تبقى مؤسسة لخدمة اليمنيين، وأن يكون النقاش حولها مسؤولًا ومسنودًا بالحقائق. فلا يجوز استخدام اسمها في معارك التشهير، أو اتخاذ الاتهامات غير المثبتة ذريعة لإرباك مهامها أو فرض ضغوط عليها.
وتقع على الحكومة مسؤولية توضيح اختصاصات مؤسسات قطاع النفط والطاقة، وتفعيل الرقابة عليها، وحماية منشآتها وكوادرها وأعمالها من التدخلات المعرقلة. كما تقع على الشركة مسؤولية مواصلة الإفصاح والرد على الاستفسارات وتقديم المعلومات الموثقة، بما يقطع الطريق أمام الشائعات ويحفظ ثقة المواطنين في مؤسسة يملكونها جميعًا.
* صحيفة عدن الغد – القسم الاقتصادي

























