(عاد/ تركيا) متابعات:
يعيد سد النهضة ترتيب العلاقة المائية بين مصر والسودان، بعدما دفعت التطورات المرتبطة بتشغيل السد البلدين إلى تكثيف التنسيق بشأن أمن النيل وضرورة تبادل المعلومات وإدارة التدفقات المائية. وفي أحدث مؤشر على هذا التقارب، بحث وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم مع وزير الزراعة والري السوداني عصمت قرشي في القاهرة، الأربعاء، تطورات حوض النيل الشرقي، وأكد الوزيران أن الأمن المائي للبلدين «لا يقبل المساس»، مع التشديد على استمرار التنسيق بشأن ملء وتشغيل السد الإثيوبي.
ولا يقتصر التقارب الجديد على البيانات السياسية، إذ يتزامن مع خطوات عملية لتوسيع التعاون المائي بين القاهرة والخرطوم. فقد ناقش الوزيران تطوير منظومة الرصد والقياس، وإعادة تفعيل بعثة بحيرة السد العالي بصورة مشتركة، إلى جانب مشروعات الحماية من الفيضانات وحصاد مياه الأمطار والمياه الجوفية. وتبحث الدولتان كذلك مذكرة تفاهم تتضمن مشروعات للتعاون في المياه والري وبناء القدرات وتبادل الخبرات.
ويكتسب هذا التنسيق أهمية أكبر لأن السودان يقع في موقع جغرافي بين إثيوبيا ومصر، ما يجعله الطرف الأقرب إلى سد النهضة والأكثر تعرضًا مباشرة لتغيرات تدفقات النيل الأزرق. وفي المقابل، تعتمد مصر بدرجة كبيرة على النيل لتلبية احتياجاتها المائية، ما يجعل طريقة تشغيل السد وقواعد تصريف المياه خلال سنوات الجفاف أو الفيضانات قضية تتجاوز حدود التعاون الفني إلى صلب الأمن القومي للبلدين.
وتبدو القاهرة والخرطوم، في المرحلة الحالية، أكثر إدراكًا لحاجتهما إلى العمل المشترك. فبدل التعامل مع سد النهضة باعتباره خلافًا ثنائيًا بين مصر وإثيوبيا، تحاول القاهرة إعادة تثبيت موقع السودان كطرف أساسي في ترتيبات النيل الشرقي. ويظهر ذلك في تأكيد البلدين أن أمنهما المائي «جزء واحد لا يتجزأ»، وفي دعوتهما إلى اتفاق شامل وملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل السد. وكانت مصر والسودان قد جددا هذا الموقف في اجتماعات سابقة، مع رفض الإجراءات الأحادية والدعوة إلى تبادل البيانات والتنسيق.
لكن التقارب المصري السوداني لا يعني أن مصالح الخرطوم والقاهرة متطابقة في كل التفاصيل. فالسودان لديه حساباته الخاصة تجاه السد؛ إذ يمكن أن يستفيد من تنظيم تدفقات المياه ومن إنتاج الكهرباء الإثيوبي، كما أن وجود سد النهضة يمكن أن يغير طريقة إدارة المياه والفيضانات على الأراضي السودانية. وفي الوقت نفسه، يحتاج السودان إلى معلومات منتظمة عن عمليات الملء والتصريف حتى يتمكن من إدارة سدوده ومنشآته المائية الواقعة أسفل السد الإثيوبي.
وهذه النقطة تحديدًا تجعل تبادل البيانات أحد أكثر الملفات حساسية. فالقضية لا تتعلق فقط بكمية المياه التي تصل إلى مصر والسودان، وإنما بموعد وصولها وحجم التدفقات وسرعة تغيرها. ولذلك فإن تطوير منظومة الرصد والقياس بين القاهرة والخرطوم يمكن أن يمنح البلدين قدرة أفضل على التعامل مع التغيرات المفاجئة في تدفقات النيل الأزرق. وقد ناقش الوزيران بالفعل تحديث محطات القياس وتطوير منظومة الرصد وإعادة تفعيل بعثة بحيرة السد العالي.
وتأتي هذه الخطوات في وقت أصبحت فيه إثيوبيا تتعامل مع سد النهضة باعتباره مشروعًا مكتملًا دخل مرحلة التشغيل، بعد افتتاحه في سبتمبر 2025. وبالنسبة إلى أديس أبابا، يمثل السد مشروعًا تنمويًا وسياديًا لتوليد الكهرباء، فيما ترى القاهرة أن المشكلة الأساسية لم تعد مرتبطة بإمكان بناء السد، وإنما بقواعد تشغيله وإدارته في السنوات العادية وفترات الجفاف والتصرفات المائية المفاجئة.
المسألة لم تعد فقط كيفية التعامل مع سد أقامته إثيوبيا على النيل الأزرق، وإنما كيف يمكن حماية مصالحهما المائية في مرحلة أصبح فيها السد واقعًا تشغيليًا
وكان وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي قد اتهم إثيوبيا في يوليو الماضي بإدارة السد بصورة «مسيسة» من خلال إجراءات أحادية، مؤكدًا أن الأمن المائي قضية «وجودية» بالنسبة إلى مصر. وفي المقابل، تؤكد إثيوبيا أن السد لا يستهدف الإضرار بمصر والسودان، وتطرح المشروع في إطار حقها في التنمية والاستفادة من مواردها المائية.
وبين هذين الموقفين، يصبح السودان عنصرًا أكثر أهمية في أي محاولة لإعادة إطلاق مسار تفاوضي. فالتجربة التي أعقبت سنوات من المفاوضات غير الحاسمة أظهرت أن غياب اتفاق ملزم بشأن قواعد التشغيل يظل نقطة الخلاف الأساسية. كما أن السودان، بحكم موقعه، هو الدولة التي تقع بين السد ودول المصب، وبالتالي فإن أي تغير في التدفقات يمكن أن تكون له آثار مباشرة على منشآته وسكانه وزراعته.
ولا يبدو أن التنسيق المصري السوداني يقتصر على سد النهضة وحده. فالمباحثات الأخيرة شملت أيضًا تأهيل خزان جبل الأولياء، وتطوير مشروعات حصاد مياه الأمطار، وإنشاء محطات للمياه الجوفية تعمل بالطاقة الشمسية، ومقاومة الحشائش المائية، والتعاون في مياه الشرب والصرف الصحي. ويعني ذلك أن البلدين يحاولان بناء شبكة مصالح مائية أوسع يمكن أن تستمر بغض النظر عن مسار الخلاف مع إثيوبيا.
وتحمل هذه المقاربة بعدًا سياسيًا أيضًا. فكلما توسع التعاون المائي بين القاهرة والخرطوم، أصبح من الأسهل تقديم موقف مشترك في المحافل الإقليمية والدولية بشأن قواعد إدارة النيل الشرقي. وفي المقابل، فإن بقاء الخلافات الثنائية داخل السودان أو بين مؤسساته قد يحد من قدرة الخرطوم على لعب دور كامل في هذا الملف، وهو ما يجعل استقرار الدولة السودانية مصلحة إضافية لمصر من زاوية الأمن المائي.
وتحاول القاهرة كذلك إبقاء الملف ضمن إطار القانون الدولي والتعاون الإقليمي، بدل تحويله إلى مواجهة مفتوحة. وفي سبتمبر الحالي، أكدت وزارة الموارد المائية والري المصرية أن سياستها في حوض النيل تقوم على التعاون والالتزام بالقانون الدولي، بالتوازي مع تنسيق المواقف والتحركات المصرية بشأن قضايا المياه إقليميًا ودوليًا. كما أن عرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يناير الماضي استئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا حظي بترحيب من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان، ما أظهر وجود أرضية مشتركة لدى دولتي المصب بشأن الحاجة إلى مسار تفاوضي.
وهكذا يعيد سد النهضة رسم العلاقة بين القاهرة والخرطوم من بوابة المياه. فالمسألة لم تعد فقط كيفية التعامل مع سد أقامته إثيوبيا على النيل الأزرق، وإنما كيف يمكن لمصر والسودان حماية مصالحهما المائية في مرحلة أصبح فيها السد واقعًا تشغيليًا، بينما لا يزال الاتفاق المنظم لقواعد الملء والتشغيل غائبًا.
وقد يكون هذا هو التحول الأبرز في العلاقة بين البلدين: أن الخلاف مع إثيوبيا يعيد اكتشاف المصالح المشتركة بين القاهرة والخرطوم. فكلما ازدادت الحاجة إلى المعلومات والتنسيق وإدارة المخاطر، أصبح الأمن المائي مساحة لتقارب يتجاوز الحسابات السياسية اليومية. لكن نجاح هذا التقارب سيظل مرتبطًا بقدرته على الانتقال من البيانات المشتركة إلى آليات عملية للرصد وتبادل المعلومات وإدارة التدفقات، ثم إلى موقف تفاوضي قادر على التعامل مع سد النهضة بوصفه واقعًا قائمًا يحتاج إلى قواعد واضحة، لا مشروعًا يمكن تجاهل تداعيات تشغيله.























