أطباء العراق يضربون: رواتب قليلة وساعات عمل بلا ضمان

2026/09/18م

(عاد/ لندن) متابعات:

تتصاعد موجة احتجاجات واسعة في المستشفيات الحكومية العراقية، منذ أيام، يقودها آلاف الأطباء المقيمين من خريجي دفعة 2024 وما بعدها. يطالب هؤلاء بحقوق أساسية طال انتظارها: التثبيت على الملاك الدائم، صرف المستحقات المتأخرة، رفع الرواتب الضئيلة، وتحسين ظروف العمل القاسية.

وامتدت الإضرابات والوقفات الاحتجاجية من بغداد إلى كركوك والديوانية ونينوى والبصرة، مهددة بشل جزء كبير من الخدمات الصحية في بلد يعاني أصلاً نقصاً حاداً في الكوادر الطبية.

ويصل الراتب الشهري للأطباء المقيمين الدوريين المتعاقدين إلى نحو 400 ألف دينار عراقي فقط، أي ما يعادل حوالي 300 دولار أميركي. هذا المبلغ لا يكفي لتغطية تكاليف المعيشة الأساسية، خاصة لمن يُوزَّعون للعمل بعيداً عن مناطق سكنهم.

في المقابل، يعمل هؤلاء لساعات طويلة تتجاوز 12 ساعة يومياً، وقد تصل المناوبات إلى 20 أو أكثر شهرياً، بمجموع ساعات يتجاوز 300 ساعة في بعض الحالات.

ولا توفر العقود المؤقتة ضمانات كافية للإجازات المرضية أو إجازة الأمومة، ولا تحدد ساعات العمل بوضوح، مما يجعل الطبيب عرضة للاستغلال الإداري والمالي.

وتقول إحدى الطبيبات المقيمات في بغداد “نعمل في أقسام الطوارئ والردهات وسط ضغط هائل ونقص في الكوادر، نتعامل مع حالات خطرة وأمراض معدية، ثم نعود إلى منازلنا براتب لا يكفي إيجار غرفة”.

هذه الشكاوى تتكرر في معظم المحافظات. في كركوك، علق أطباء دفعة 2024 عملهم مطالبين بإدراج درجاتهم في موازنة 2027، وصرف المستحقات المتأخرة، وفتح باب التعيين للدفعات اللاحقة.

وفي محافظات أخرى، نظم الأطباء وقفات أمام مديريات الصحة ونقابات الأطباء، رافعين لافتات تطالب بالكرامة المهنية والاستقرار الوظيفي.تعود جذور الأزمة إلى قرارات حكومية حوّلت تعيين خريجي الطب من النظام المركزي الدائم إلى عقود مؤقتة مرتبطة بالموازنة العامة.

وباشرت دفعة 2024، التي يزيد عددها عن خمسة آلاف طبيب في عموم العراق، العمل مطلع العام بعقود زهيدة، ثم تأخر صرف الرواتب لأشهر عدة في بعض المناطق. هذا الوضع يختلف جذرياً عن الدفعات السابقة التي كانت تُثبت على الملاك الدائم برواتب أعلى ومخصصات خطورة وإعاشة.

ويرى الأطباء أن ما يُطلب منهم ليس امتيازاً، بل حقاً قانونياً مكفولاً بموجب قانون التدرج الطبي، وأن استمرار العقود المؤقتة يهدد استقرارهم المهني ويدفع كثيراً منهم إلى التفكير في الهجرة أو العمل في القطاع الخاص.

وتدعم نقابة أطباء العراق هذه المطالب صراحة. أكدت النقابة في بيانات رسمية أن الشعور باليأس وانعدام الرؤية المستقبلية هو الدافع الرئيسي للإضراب، وليس الترف أو المبالغة.

ودعت السلطات التنفيذية والتشريعية إلى التدخل العاجل لضمان التعيين وصرف الاستحقاقات ومراجعة شروط العقود. وحذرت من أن استمرار الأزمة سيؤثر سلباً على جودة الخدمات الصحية، خاصة مع انخفاض نسبة الأطباء إلى أقل من 1.4 طبيب لكل ألف نسمة، ونسبة الأسرة إلى نحو 1.3 سرير، وهي أرقام بعيدة عن معايير منظمة الصحة العالمية.

ويتجاوز ازدحام المستشفيات الكبرى 90% في كثير من الأحيان، مما يضاعف الضغط على الكوادر العاملة.

وتكشف الأزمة عن خلل هيكلي أعمق في إدارة القطاع الصحي العراقي. فعلى الرغم من تخصيص موارد كبيرة في الموازنات العامة، يبقى التنفيذ بطيئاً ومليئاً بالبيروقراطية والفساد الإداري في بعض المستويات. الاعتماد على العقود المؤقتة يوفر مرونة مالية للحكومة على المدى القصير، لكنه يخلق حالة من عدم الاستقرار تدفع الكفاءات الشابة إلى الهجرة.

ويعاني العراق بالفعل من هجرة الأطباء المتخصصين، وإذا استمرت معاملة الخريجين الجدد بهذه الطريقة، فإن النقص سيزداد سوءاً خلال السنوات المقبلة، مما يهدد قدرة النظام الصحي على مواجهة الأزمات المستقبلية، سواء كانت أوبئة أو زيادة في أعداد المرضى المزمنين.

وأعلنت الحكومة، من جانبها، في فترات سابقة نيتها إدراج درجات وظيفية في موازنة 2027 وزيادة بعض الرواتب، وأصدرت توجيهات بمراجعة قوانين الخدمة الطبية. لكن الأطباء يرون في هذه الوعود تأخيراً وتسويفاً، ويصرون على التثبيت الفوري دون ربطه بإقرار الموازنة، وصرف الفروقات بأثر رجعي.

وفي بعض المحافظات، استمر الإضراب جزئياً أو كلياً، مع محاولات من إدارات المستشفيات للضغط على المضربين بتهديدات بفسخ العقود، الأمر الذي زاد من حدة التوتر بدلاً من احتوائه.

ولا تقتصر التداعيات على الأطباء وحدهم. المرضى هم الضحايا الأوائل لأي تعطيل في الخدمات. تأخر العمليات الاختيارية، ازدحام أقسام الطوارئ، ونقص المتابعة في العيادات الخارجية، كلها آثار مباشرة للإضرابات.

وفي بلد يخرج من عقود من الحروب والأزمات الاقتصادية، يُعد القطاع الصحي أحد أهم ركائز الاستقرار الاجتماعي. وتجاهل مطالب الأطباء الشباب يعني المخاطرة بانهيار تدريجي لهذه الركيزة.

ويتطلب الحل تدخلاً سريعاً ومنسقاً بين وزارتي الصحة والمالية ومجلس النواب. يجب تثبيت الأطباء على الملاك الدائم وفق القوانين النافذة، رفع الرواتب إلى مستويات تتناسب مع ساعات العمل والمسؤولية، وضمان صرف المستحقات دون تأخير. كما ينبغي تحسين بيئة العمل: تقليل ساعات المناوبة المرهقة، توفير معدات حماية كافية، ودعم برامج التدريب والتخصص.

وعلى المدى الطويل، يحتاج العراق إلى استراتيجية شاملة لاستبقاء الكوادر الطبية، تشمل حوافز مالية ومعنوية، وتطوير البنية التحتية للمستشفيات.

اضف تعليقك