إعدام غيابي للأسد.. سوريا تفتح صفحة الحساب مع النظام السابق

2026/08/12م

(عاد/ روسيا) متابعات:

بعد نحو عامين من سقوط بشار الأسد، انتقلت سوريا إلى مرحلة جديدة من التعامل مع إرث حكمه الذي استمر قرابة ربع قرن، بإصدار القضاء السوري حكما بالإعدام غيابيا بحقه، في أول إدانة قضائية تصدر ضد الرئيس السابق منذ الإطاحة به وفراره إلى روسيا.

وأصدرت المحكمة السورية الحكم بحق الأسد على خلفية جرائم شملت القتل العمد، والتعذيب، والاعتقال التعسفي، وجرائم ضد الإنسانية، كما أصدرت حكما مماثلا بحق شقيقه ماهر الأسد، القائد السابق للفرقة المدرعة الرابعة، والمسؤول الأمني السابق عاطف نجيب، الذي ارتبط اسمه بقمع الاحتجاجات في محافظة درعا، حيث اندلعت شرارة الانتفاضة السورية عام 2011.

ويمثل الحكم لحظة رمزية في بلد عاش حربا أهلية استمرت نحو 14 عاما، وأوقعت مئات الآلاف من القتلى وشردت ملايين السوريين، قبل أن تنتهي بسقوط نظام الأسد في هجوم خاطف قادته المعارضة في ديسمبر/كانون الأول 2024.

لكن أهمية الحكم لا تكمن فقط في العقوبة التي أصدرتها المحكمة، وإنما في ما يكشفه عن اتجاه سوريا الجديدة في التعامل مع تركة النظام السابق، وفي طبيعة العدالة التي تريد السلطات إرساءها بعد سنوات طويلة من الإفلات من العقاب.

قد يكون الحكم على الأسد غيابيا نهاية رمزية لعهد طويل، لكنه في الوقت نفسه يمثل بداية اختبار أصعب لسوريا الجديدة: هل تستطيع أن تحاكم الماضي من دون أن ترث أدواته

حرصت السلطات السورية الجديدة على تقديم المحاكمة باعتبارها جزءا من مسار للعدالة الانتقالية، يهدف إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتكبت خلال سنوات الحرب.

واستمرت المحاكمة نحو أربعة أشهر، فيما حوكم عاطف نجيب حضوريا بعد اعتقاله في أوائل عام 2025، بينما صدرت الأحكام بحق الأسد وشقيقه ماهر غيابيا، نظرا لإقامتهما خارج البلاد.

ويمنح ذلك المحاكمة أهمية تتجاوز الأشخاص الثلاثة الذين شملتهم الأحكام، إذ تضع السلطات أمام اختبار صعب يتمثل في إثبات قدرتها على الانتقال من منطق الانتقام السياسي إلى بناء منظومة قضائية قادرة على التعامل مع إرث نظام أمني امتلك خلال عقود أدوات واسعة للقمع والاعتقال والتعذيب.

وفي المقابل، يثير اختيار عقوبة الإعدام تساؤلات حول مدى توافق المسار القضائي الجديد مع الهدف الأوسع للعدالة الانتقالية، خصوصا أن محاسبة المسؤولين لا تتعلق فقط بإصدار الأحكام، وإنما أيضا بكشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

المعضلة الأبرز أن الحكم صدر غيابيا بحق الأسد الموجود في موسكو، حيث حصل هو وعائلته على اللجوء لأسباب إنسانية بعد فراره من دمشق.

وبالتالي، فإن تنفيذ الحكم يبدو مستحيلا في الوقت الراهن، ما لم يتغير موقف روسيا أو تنجح السلطات السورية في التوصل إلى ترتيبات تسمح بإعادته إلى البلاد.

وهنا تبرز إحدى المفارقات الأساسية للحكم. فالعقوبة الأشد قد تكون في الوقت نفسه العقوبة التي تجعل استعادة المتهم ومحاكمته حضوريا أكثر صعوبة.

ويرى رئيس المركز السوري للدراسات والبحوث القانونية أن إصدار حكم الإعدام قد يقطع الطريق أمام تسليم الأسد، لأن الدول التي ترفض عقوبة الإعدام لن تكون مستعدة لتسليم شخص يواجه خطر تنفيذها.

ويضع ذلك دمشق أمام سؤال جوهري: هل الأولوية هي إصدار حكم يعكس حجم الجرائم المنسوبة إلى النظام السابق، أم إبقاء الباب مفتوحا أمام استعادة المتهمين ومحاكمتهم داخل سوريا؟

في المقابل، ينظر كثير من السوريين إلى الحكم من زاوية مختلفة تماما. فبالنسبة إلى عائلات الضحايا والمفقودين والمعتقلين، يمثل صدور الحكم اعترافا رسميا بأن الجرائم التي عانوا منها طوال سنوات لم تكن مجرد أحداث عابرة في حرب أهلية، وإنما انتهاكات تستوجب العقاب.

وفي درعا، التي كانت شرارة الاحتجاجات الأولى عام 2011، خرجت حشود للاحتفال بالحكم ورفعت صور أشخاص قتلوا أو اعتقلوا خلال الحرب، بينهم حمزة الخطيب، الصبي الذي كان يبلغ 13 عاما عندما اعتقلته قوات الأمن وعُثر عليه ميتا بعد تعرضه للتعذيب، وفقا لما ذكره ناشطون.

كما حضرت نهى المصري، إحدى ممثلات الادعاء، جلسة النطق بالحكم، بعدما فقدت شقيقها خلال قمع مظاهرة في درعا عام 2011.

وتعكس هذه المشاهد أن الحكم لا يُنظر إليه فقط باعتباره إجراء قضائيا، وإنما باعتباره جزءا من عملية استعادة الاعتبار لضحايا حقبة طويلة من القمع.

السلطات السورية الجديدة حرصت على تقديم المحاكمة باعتبارها جزءا من مسار للعدالة الانتقالية، يهدف إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتكبت خلال سنوات الحرب

غير أن سقوط الرئيس السابق وإدانته لا يعنيان انتهاء ملف نظامه. فسنوات الحرب خلفت شبكة واسعة من المتهمين بالقتل والتعذيب والاختفاء القسري، إلى جانب آلاف المعتقلين والمفقودين الذين لا تزال عائلاتهم تبحث عن مصيرهم.

كما أن نظام الأسد لم يكن قائما على شخص واحد، بل على منظومة سياسية وأمنية وعسكرية امتدت لعقود، ما يعني أن أي عملية حقيقية للعدالة الانتقالية ستحتاج إلى التعامل مع مستويات متعددة من المسؤولية.

ويضاف إلى ذلك أن سوريا الجديدة مطالبة بالموازنة بين محاسبة المسؤولين عن الجرائم وبين تجنب تحويل العدالة إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية.

وهذه النقطة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت المحاكمة الحالية ستصبح بداية لمسار مؤسسي طويل، أم مجرد لحظة رمزية في مرحلة انتقالية مضطربة.

وصل بشار الأسد إلى السلطة عام 2000 خلفا لوالده حافظ الأسد، ونجح في الحفاظ على النظام السياسي والأمني الذي حكم سوريا لعقود، قبل أن تقلب احتجاجات 2011 البلاد إلى حرب مفتوحة.

وخلال سنوات الحرب، تمكن الأسد بدعم عسكري وسياسي من روسيا وإيران من استعادة معظم الأراضي التي فقدتها حكومته في السنوات الأولى للصراع، وبدا لسنوات أن المعارضة غير قادرة على إسقاطه.

لكن الهجوم الذي قادته المعارضة في أواخر 2024 قلب المعادلة خلال أقل من أسبوعين، وانتهى بسقوط دمشق وفرار الأسد إلى موسكو.

واليوم، وبعد أن أصدرت المحكمة أول حكم بالإعدام بحقه، تواجه سوريا السؤال الأصعب: كيف يمكن تحويل سقوط النظام من نهاية عسكرية وسياسية إلى بداية لمسار قانوني ومؤسسي يطوي إرث الحرب؟

فالعدالة الانتقالية لا تقاس فقط بعدد الأحكام التي تصدر، وإنما بقدرتها على تحقيق ثلاثة أهداف متلازمة: محاسبة المسؤولين، وإنصاف الضحايا، وبناء مؤسسات تمنع عودة الإفلات من العقاب.

ومن هذه الزاوية، قد يكون الحكم على الأسد غيابيا نهاية رمزية لعهد طويل، لكنه في الوقت نفسه يمثل بداية اختبار أصعب لسوريا الجديدة: هل تستطيع أن تحاكم الماضي من دون أن ترث أدواته؟

اضف تعليقك