توتر مفاجئ يعيد العلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا إلى مربع التأزيم

2026/05/06م

(عاد/ موسكو) متابعات:

تصاعدت حدة التوترات الدبلوماسية والعسكرية بين الجيش السوداني وإثيوبيا بشكل مفاجئ، لتعيد العلاقات السودانية – الإثيوبية إلى مربع التأزيم التاريخي، وذلك عقب اتهامات صريحة وجهتها أديس أبابا للجيش السوداني بتسليح وتمويل جبهة تحرير شعب تيغراي.

وجاءت الاتهامات الإثيوبية بعد ساعات قليلة من استدعاء الحكومة السودانية الموالية للجيش السفير الإثيوبي الزين إبراهيم للاحتجاج على ما تعتبره تورط أديس أبابا في الهجوم الذي استهدف بالمسيرات، الاثنين، مطار الخرطوم.

ورفضت الخارجية الإثيوبية اتهامات الخرطوم “التي لا أساس لها”، متهمة في المقابل الجيش السوداني بتقديم الأسلحة والدعم المالي لمتمردي جبهة تيغراي مما سهل توغلاتهم على طول الحدود الغربية لإثيوبيا.

وشهد إقليم تيغراي بين نوفمبر 2020 ونوفمبر 2022 حربا بين الجبهة والقوات الفيدرالية التي دعمتها ميليشيات محلية والجيش الإريتري وأسفر النزاع عن مقتل ما لا يقل عن 600 ألف شخص، وفقا لتقديرات الاتحاد الأفريقي.

إقحام ملف متمردي تيغراي من قبل أديس أبابا يزيد من تعقيد المشهد الإنساني، حيث تتحول معسكرات اللاجئين السودانيين والإثيوبيين على جانبي الحدود إلى مناطق اشتباه أمني

وجاء التوتر المستجد بين الجيش السوداني وأديس أبابا في وقت نجحت فيه قوات الدعم السريع في انتزاع مناطق إستراتيجية من الجيش في ولاية النيل الأزرق التي ترتبط بحدود طويلة مع إثيوبيا.

كما أظهر الهجوم الذي تعرضت إليه الخرطوم، الاثنين، عجز الجيش عن تأمين العاصمة الإدارية، وهو ما شكل إحراجا كبيرا له في الداخل.

ويرى مراقبون أن لجوء الجيش السوداني إلى اتهام أديس أبابا بجعل أراضيها منطلقا لاستهداف مطار الخرطوم، يحمل في طياته دلالات سياسية تتجاوز الوقائع الميدانية، ففي ظل الضغوط العسكرية المتزايدة التي تفرضها قوات الدعم السريع على الأرض، يبدو أن خطاب “التدخل الخارجي” يمثل طوق نجاة دعائيا يهدف إلى تبرير الإخفاقات الميدانية أو تفسير التراجع في بعض المواقع الإستراتيجية.

إن اتهام إثيوبيا بامتلاك “يد طولى” في سماء الخرطوم يخدم سردية الجيش السوداني في تصوير الحرب كـ”عدوان خارجي” يستهدف كيان الدولة، مما يقلل من وطأة الانتقادات الداخلية الموجهة لأدائه العملياتي في مواجهة قوات الدعم السريع التي حققت نتائج كبيرة تجاوزت المعقل التاريخي دارفور إلى كردفان والنيل الأزرق.

في المقابل، جاء الرد الإثيوبي ليعيد فتح جروح الماضي القريب، عبر اتهام الجيش السوداني بتقديم تسهيلات ودعم لوجستي لمتمردي جبهة تحرير شعب تيغراي. هذا الاتهام المضاد ليس مجرد دفاع دبلوماسي، بل هو تذكير إثيوبي للخرطوم بأن أديس أبابا تمتلك هي الأخرى أوراق ضغط حارقة.

ومنذ توقيع اتفاق “بريتوريا” للسلام، تعاملت إثيوبيا بحساسية مفرطة مع أي تحرك سوداني على الحدود الشرقية، معتبرة أن السودان استغل نزاع تيغراي سابقاً لاسترداد منطقة “الفشقة” الحدودية. لذا، فإن استحضار ملف تيغراي اليوم يهدف إلى إحراج القيادة السودانية دولياً، وتصويرها كطرف يهدد استقرار القرن الأفريقي عبر دعم حركات التمرد العرقية، وهو ما يضع الخرطوم في موقف الدفاع أمام المجتمع الأفريقي والدولي.

واتسمت طبيعة العلاقة بين السودان وإثيوبيا تاريخيا بغياب الثقة، فالدولتان تتبادلان الأدوار في دعم معارضة الطرف الآخر منذ عقود، في إستراتيجية تُعرف بـ”توازن الرعب الحدودي”.

الاتهامات الإثيوبية جاءت بعد ساعات قليلة من استدعاء الحكومة السودانية السفير الإثيوبي الزين إبراهيم للاحتجاج على ما تعتبره تورط أديس أبابا في الهجوم الذي استهدف بالمسيرات، الاثنين، مطار الخرطوم

ومع اندلاع الحرب الحالية في السودان، دخلت هذه العلاقة نفقا مظلما؛ حيث تنظر أديس أبابا بريبة للجيش السوداني، بينما ينظر الأخير لإثيوبيا كحليف “مستتر” لقوات الدعم السريع، مستنداً في ذلك إلى الاستقبالات الرسمية لقائد الدعم السريع في العاصمة الإثيوبية. هذا التوجس المتبادل جعل من السهل على كل طرف تصديق، أو اختلاق، أي رواية تتهم الآخر بالتدخل المباشر.

ويقول المراقبون إن التراشق بالاتهامات يعكس “عجزا مركبا”، فالسودان الغارق في أتون حرب أهلية مدمرة يجد في إثيوبيا “مشجبا” مثالياً لتعليق تعثراته العسكرية، بينما تجد إثيوبيا في الفوضى السودانية فرصة لتثبيت مكاسبها في ملفي الفشقة وسد النهضة، أو على الأقل لضمان عدم عودة جيش سوداني قوي قد يطالب باستعادة الأراضي المتنازع عليها.

ويشير المراقبون إلى أن اتهام الجيش السوداني لإثيوبيا بالمسيرات يغفل حقيقة أن تكنولوجيا الطائرات بدون طيار باتت متاحة في سوق السلاح الإقليمي، وأن اتهام دولة بعينها دون أدلة دامغة قد يكون هروبا إلى الأمام من استحقاقات المواجهة الميدانية الحقيقية مع خصم داخلي شرس يمتلك خطوط إمداد معقدة.

علاوة على ذلك، فإن إقحام ملف متمردي تيغراي من قبل أديس أبابا يزيد من تعقيد المشهد الإنساني، حيث تتحول معسكرات اللاجئين السودانيين والإثيوبيين على جانبي الحدود إلى مناطق اشتباه أمني، مما يفاقم معاناة المدنيين الفارين من ويلات الحروب.

وتضاعف عسكرة الخطاب السياسي بين الخرطوم وأديس أبابا من التوترات في منطقة القرن الأفريقي التي تعيش مرحلة من السيولة الأمنية التي قد تؤدي إلى انهيار كامل لآليات التعاون الإقليمي، حيث يصبح “التآمر” هو اللغة الوحيدة المفهومة بين العواصم التي تعجز عن ضبط أمنها الداخلي.

ويشير المشهد الراهن إلى أن الحقيقة غالبا ما تكون الضحية الأولى في صراع الجنرالات. وبينما يصر الجيش السوداني على رواية المسيرات الإثيوبية للتغطية على ثغراته الميدانية أمام قوات الدعم السريع، وتتمسك إثيوبيا برواية دعم متمردي تيغراي لتصفية حسابات حدودية قديمة، يبقى الإقليم ككل رهينة لهذه المغامرات السياسية.

ويتطلب كسر حلقة الاتهامات المتبادلة اعترافا من القوى المحلية بعجزها عن حسم الصراعات عبر تصديرها للجوار، والبحث عن حلول حقيقية تضع حدا لنزيف الدماء، بعيدا عن سياسة “صناعة الأعداء” التي لم تجلب للسودان أو إثيوبيا سوى المزيد من التمزق.

اضف تعليقك