التحذير الذي تجاهله العالم.. أسرار الساعات الأخيرة قبل حرب أوكرانيا

2026/02/22م

في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، وصلت إلى موسكو رسالة تحذير أمريكية رفيعة المستوى حملها مدير وكالة الاستخبارات المركزية في ذلك الوقت ويليام بيرنز.

لم يعقد بيرنز لقاء مباشرا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بل أجريا مكالمة عبر خط آمن، عكست طبيعة اللحظة وحساسيتها.

زيلينسكي يكشف عن طلب موسكو.. ومفاجأة في الجنوب
ووفقا لصحيفة “الغارديان” البريطانية، فقد عرض بيرنز تقدير واشنطن حول استعداد موسكو لشن عملية عسكرية شاملة على أوكرانيا، محذراً من تداعيات اقتصادية وسياسية قاسية، غير أن بوتين قدّم رواية مغايرة، مفادها أن روسيا تتحرك في مواجهة نظام دولي أحادي القطب يهدد أمنها القومي.

عاد بيرنز إلى واشنطن مقتنعاً بأن القرار الروسي قد اتُّخذ، وأبلغ الرئيس السابق جو بايدن بأن الحرب وشيكة. وبعدها بأقل من 4أشهر، بدأت العمليات العسكرية بالفعل.

مثّلت تلك اللحظة ذروة ما اعتبره مسؤولون غربيون نجاحاً استخباراتياً لافتاً لكل من وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) وجهاز الاستخبارات الخارجية البريطانية (إم آي6)، فقد نجحت المؤسستان في قراءة النوايا الروسية قبل التنفيذ بوقت كافٍي.

غير أن القصة لم تكن مجرد انتصار تحليلي؛ بل كشفت أيضاً حدود القدرة على إقناع الحلفاء، وتعقيدات التقدير السياسي والنفسي في لحظات التحول الكبرى.

وتُشير مراجعات استخباراتية لاحقة إلى أن قرار العملية العسكرية ربما تبلور في النصف الأول من عام 2020، بالتوازي مع تعديلات دستورية عززت بقاء بوتين في السلطة، وأحداث إقليمية اعتبرها الكرملين مؤشرات على اختلال التوازن مع الغرب.

وفي ربيع 2021 بدأت أولى موجات الحشود العسكرية على الحدود الأوكرانية، ثم تراجعت مؤقتاً عقب قمة جنيف بين بايدن وبوتين. لكن الرئيس الروسي نشر في الصيف مقالاً ينكر فيه وجود أمة أوكرانية مستقلة، قبل أن تعود الحشود بزخم أكبر في الخريف.

حينها خلصت واشنطن ولندن إلى أن الأمر يتجاوز الضغط السياسي في دونباس، ليصل إلى هدف أوسع يتمثل في إسقاط كييف.

لم يستند هذا الاستنتاج إلى «مصدر ذهبي» واحد، بل إلى تجميع منهجي لمؤشرات متعددة: صور أقمار صناعية لتحركات واسعة النطاق، واعتراضات اتصالات عسكرية كشفت استعدادات لوجستية غير معتادة، ومعلومات عن إعداد قوائم اعتقال لشخصيات أوكرانية، وتصورات سياسية لمرحلة ما بعد السيطرة على العاصمة.

وبحلول ديسمبر/كانون الأول 2021، بات السيناريو شبه مكتمل في تقديرات واشنطن ولندن: هجوم متعدد المحاور، ومحاولة إنزال جوي في مطار هوستوميل قرب كييف، ومسعى لتغيير النظام.

غير أن هذه القناعة لم تلقَ إجماعاً أوروبياً. فذكريات إخفاقات الاستخبارات الغربية في العراق عام 2003 جعلت عواصم عدة تتعامل بحذر مع التحذيرات الأمريكية.

كما أن افتراض «عقلانية بوتين» دفع كثيرين إلى استبعاد خيار العملية العسكرية الشاملة باعتباره مخاطرة استراتيجية جسيمة لا تنسجم مع المصالح الروسية.

ورأت بعض الأجهزة أن الحشود العسكرية قد تكون ورقة ضغط تفاوضية لا أكثر.. وحتى في دول شرقي أوروبا، ساد اعتقاد بأن القوات الروسية المنتشرة في بيلاروسيا تفتقر إلى الجاهزية لاحتلال العاصمة الأوكرانية.

وفي كييف، كان موقف الرئيس فولوديمير زيلينسكي شديد التعقيد؛ فالإقرار العلني بغزو وشيك كان قد يطلق موجة ذعر اقتصادي ويعجل بانهيار مالي قبل بدء القتال.

لذلك سعى زيلينسكي إلى تهدئة الرأي العام، رغم التحذيرات المتزايدة.. وداخل أوكرانيا، ظهرت تباينات في تقدير التوقيت والإجراءات، إذ طالب بعض القادة العسكريين بإعلان الأحكام العرفية مبكراً، فيما خشيت القيادة السياسية كلفة هذه الخطوة على الاستقرار الداخلي.

وفي 23 فبراير/شباط 2022، كانت واشنطن ولندن شبه متأكدتين من أن الهجوم سيبدأ خلال ساعات. فأُخليت بعثات دبلوماسية، ودُمّرت أجهزة حساسة. ومع فجر الرابع والعشرين من الشهر نفسه، انطلقت الضربات الصاروخية وأعلن بوتين بدء «عملية عسكرية خاصة».

وخلافاً لتوقعات واسعة بسقوط سريع للعاصمة، قرر زيلينسكي البقاء في كييف، في خطوة أسهمت في ترسيخ صورة الصمود الأوكراني وإفشال سيناريو الانهيار السريع.

هكذا تكشف القصة مفارقة واضحة: أصابت واشنطن ولندن في تقدير وقوع الحرب، لكنها أخطأتا، شأنهما شأن كثيرين، في توقع نتائجها الأولى.

فقد افترضت عواصم غربية أن كييف ستسقط خلال أيام، وأن الحكومة ستغادر إلى المنفى، وأن المقاومة ستتحول إلى تمرد طويل، إلا أن إخفاقات ميدانية روسية مبكرة، وصلابة الموقف الأوكراني، بدّلت المسار وأدخلت الحرب في مرحلة استنزاف طويلة.

بعد سنوات على اندلاع الحرب، باتت الخلاصة في أوساط استخباراتية أوروبية أن المشكلة لم تكن في نقص المعلومات، بل في طريقة قراءتها، فقد بدأت العملية العسكرية خياراً «غير منطقي»، وبالتالي جرى استبعاده في بعض التقديرات.

واليوم، يُعاد تقييم منهجيات التحليل لتفادي إسقاط الافتراضات المسبقة على سلوك خصم مستعد لتحمّل كلفة عالية لتحقيق أهدافه. وقد أعادت تلك الحرب رسم معادلات الأمن الأوروبي، وذكّرت أجهزة الاستخبارات بأن استبعاد السيناريو الأخطر لأنه يبدو مستبعداً قد يكون أثمن الأخطاء كلفة.

اضف تعليقك