الموت الصامت من السماء.. «الدرونز» تغير وجه الحرب في كولومبيا

2026/02/21م

في غابات كاتاتومبو الوعرة على الحدود مع فنزويلا، تغيرت قواعد اللعبة. فالجنود الكولومبيون الذين أمضوا عقوداً في مواجهة كمائن المتمردين

وقناصة جيش التحرير الوطني، يواجهون اليوم عدواً من نوع جديد يطل من السماء: طائرات درون تجارية لا يتجاوز سعر بعضها 600 دولار، باتت السلاح الأكثر فتكاً في ترسانة الجماعات المسلحة.

الحادثة التي هزت المؤسسة العسكرية الكولومبية قبل أسابيع تلخص حجم التحول، ففي محطة ضخ نفط قرب الحدود الفنزويلية، اعتاد جنود الكتيبة المكلفة بحماية المنشأة على صد هجمات تقليدية.

لكنهم، بحسب صحيفة نيويورك تايمز، وجدوا أنفسهم خلال 15 يوماً أمام وابل من طائرات الدرون الصغيرة، من النوع المتاح للهواة على منصات التسوق الإلكتروني، تحمل قنابل يدوية معدلة تسقط بدقة. استطاعوا إسقاط نحو 50 منها.

لكن اليوم السادس عشر حمل المفاجأة: طائرة زراعية أكبر، كانت تستخدم لرش المبيدات، ظهرت فجأة محملة بأربع قنابل. لم يتمكن الجنود من رصدها في الوقت المناسب، فانفجرت حمولتها مخلفة جندياً قتيلاً.

مسيرات عسكرية للجيش الكولومبي

هذه الواقعة ليست معزولة، بل تمثل نمطاً متصاعداً يقلق المسؤولين الأمنيين. أربعة منهم أكدوا لصحيفة “نيويورك تايمز” أن وتيرة استخدام الطائرات المسيرة تتزايد “بمعدل ينذر بالخطر”، وأن سهولة اقتنائها وتعديلها تمنح الجماعات المسلحة ما وصفه الرئيس غوستافو بيترو بـ”الميزة الجوية” على جيشه.

الأرقام التي كشفتها وزارة الدفاع الكولومبية صادمة: أكثر من 100 قتيل وجريح من قوات الأمن خلال عام 2025 وحده نتيجة هجمات الطائرات المسيرة، و333 هجوماً ناجحاً سجلت في العام الماضي.

وفي خطاب مؤثر أمام الجنود أواخر 2025، اعترف بيترو بمرارة أن “تجار المخدرات يملكون ميزة جوية”، مشيراً إلى قدرتهم على شراء آلاف الطائرات نقداً، بينما تتعثر البيروقراطية الحكومية في الرد.

مسيرات عسكرية للجيش الكولومبي

وزير الدفاع بيدرو سانشيز لم يخفِ حجم التحدي، مقراً بأن الجماعات الإجرامية بدأت استخدام الطائرات المسيرة “بشكل عشوائي”، مستهدفة ليس فقط القوات بل المدنيين والبنية التحتية الحيوية.

وفي استجابة طارئة، أعلنت الحكومة عن استثمار “غير مسبوق” بقيمة 1.6 مليار دولار لشراء معدات مضادة للطائرات المسيرة، تشمل أنظمة رادار متطورة وأجهزة تشويش.

غير أن الطريق إلى التسلح الدفاعي محفوف بالعقبات. فالمعدات الحديثة تحتاج إلى بنية تحتية من كهرباء وإنترنت غير متوفرة في مناطق القتال النائية مثل كاتاتومبو وكاوكا.

كما أن هذه الأنظمة قد تتحول بدورها إلى أهداف مباشرة للجماعات المسلحة. وتزيد المهمة تعقيداً قرار الرئيس بيترو اليساري بمقاطعة إسرائيل، المصدر الرئيسي للأسلحة المضادة للطائرات لكولومبيا، احتجاجاً على حرب غزة.

وفي منطقة كاوكا وحدها، رصدت السلطات أكثر من ألف طائرة مسيرة تابعة لجماعات مسلحة خلال عام 2024، كانت تستخدم في الأساس في الاستطلاع وجمع المعلومات.

ومع تصاعد التهديد، طوّر الجنود لغة ميدانية جديدة: عند رصد طائرة تقترب، يصرخ أحدهم “نسر في الجو!”، فيندفع الجميع للاحتماء قبل أن تتحول السماء إلى مصدر موت مفاجئ.

بينما تستعد كولومبيا لانتخابات مايو/أيار المقبل، التي تحتاج خلالها لتأمين 13 ألف مركز اقتراع، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً بلا إجابة واضحة: كيف يواجه جيش تقليدي عدوًا يغير قواعد اللعبة بطائرات لا تتجاوز تكلفتها 600 دولار، تشترى عبر الإنترنت وتهرب عبر حدود الغابات الكثيفة، وتحمل الموت في صمت إلى حيث لا تصل الرادارات؟

اضف تعليقك