(عاد/ الرياض) متابعات:
تتجه الضربات السعودية على مواقع الحوثيين في اليمن إلى توسيع نطاق الضغط العسكري، من مخازن الصواريخ ومراكز القيادة إلى منشآت الوقود التي تمثل جزءاً أساسياً من منظومة الإمداد والتشغيل. ويكشف استهداف مرافق نفطية في صنعاء والحديدة ومحيط ميناء رأس عيسى عن محاولة لإضعاف الموارد التي تقول الرياض إن الجماعة تستخدمها لدعم هجماتها، ورفع كلفة استمرار عملياتها العسكرية.
وتأتي هذه الضربات في سياق تصعيد متبادل أعقب هجمات حوثية على مطارات ومنشآت داخل السعودية، ما دفع التحالف الذي تقوده الرياض إلى تكثيف عملياته ضد أهداف عسكرية ولوجستية للجماعة. ويشير هذا المسار إلى أن المواجهة لم تعد تقتصر على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل باتت تشمل استهداف البنية التي تساعد على إعداد الهجمات وإدامة التحركات الميدانية.
وأعلن التحالف، الثلاثاء، تنفيذ ضربات استهدفت منشآت مرتبطة بتخزين الوقود ونقله في صنعاء والحديدة وذمار، بينها محطة الصباح المركزية ومستودعات وخزانات ومرافق مخصصة لنقل المشتقات النفطية وتفريغها. وقال المتحدث باسم التحالف، تركي المالكي، إن الحوثيين يستغلون هذه المنشآت والموارد الحيوية لدعم عملياتهم العسكرية وهجماتهم بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وتكتسب هذه الأهداف أهميتها من أن الوقود لا يمثل مجرد سلعة اقتصادية في ظروف الحرب، بل عنصراً تشغيلياً تعتمد عليه حركة الآليات العسكرية وشاحنات الإمداد ووسائل النقل، فضلاً عن المعدات المستخدمة في تشغيل بعض المنشآت العسكرية والخدمية.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن يؤدي تضرر مرافق التخزين والتوزيع إلى زيادة صعوبة تأمين الوقود، ورفع كلفة نقله، وإرباك عمليات الإمداد إذا استمر التعطل وشمل أكثر من موقع. كما أن أي نقص في الإمدادات قد يفرض على الحوثيين إعادة ترتيب أولويات الاستخدام بين احتياجاتهم العسكرية ومتطلبات المناطق الخاضعة لسيطرتهم.
لكن أثر الضربات لا يُقاس بمواقع الاستهداف وحدها. فمدى تراجع قدرة الجماعة على تحريك آلياتها سيعتمد على حجم المخزونات المتضررة، وإمكانات التعويض، ووجود مسارات بديلة للتوزيع والنقل. ولا تتوافر حتى الآن حصيلة مستقلة كافية لتحديد حجم الخسائر في مخزون الوقود أو إثبات حدوث تراجع فعلي في حركة القوات.
وتتصل هذه الحملة بمرحلة سابقة من التصعيد، عندما أعلن التحالف في الثامن من أكتوبر تدمير 82 هدفاً عسكرياً حوثياً في أربع محافظات، بينها 11 منشأة لتخزين الصواريخ الباليستية في صعدة، إلى جانب مراكز قيادة واتصالات ومستودعات أسلحة ومواقع تجمع.
ويعكس الانتقال من مخازن الصواريخ ومراكز القيادة إلى مرافق الوقود توسيع نطاق الضغط على القدرات العسكرية واللوجستية للجماعة، وإن كان لا يثبت وحده وجود خطة معلنة تربط جميع العمليات ضمن استراتيجية واحدة.
وتكتسب الحديدة ورأس عيسى أهمية خاصة بسبب موقعهما على ساحل البحر الأحمر ودورهما في حركة السلع والمشتقات النفطية. واستهداف مرافق التخزين والتفريغ والنقل في هذه المنطقة قد يضاعف الضغط على سلاسل الإمداد، خصوصاً إذا أدى إلى تعطيل طويل الأمد أو صعّب نقل الوقود إلى مناطق الاستهلاك.
غير أن استهداف المنشآت الساحلية يطرح أيضاً تحدياً يتعلق بالفصل بين الاستخدام العسكري والبنية المدنية. فالمرافق النفطية تؤدي وظائف اقتصادية وخدمية، وأي أضرار واسعة أو تعطيل ممتد قد ينعكسان على النقل والكهرباء وتوافر المشتقات في الأسواق، بما يتجاوز الأثر العسكري المباشر.
وتزداد هذه المخاطر في بلد يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية وإنسانية حادة، حيث يمكن أن يتحول نقص الوقود أو ارتفاع أسعاره إلى عبء إضافي على السكان، حتى عندما تكون الضربات موجهة، وفق الإعلان السعودي، إلى موارد تُستخدم في العمليات العسكرية.
ولا تبدو الجماعة مستعدة لاحتواء التصعيد من دون رد. فقد توعد الحوثيون باستهداف منشآت سعودية إضافية، وأعقب الضربات على المواقع النفطية هجوم صاروخي استهدف مجمع شركة أرامكو في الظهران، وأدى إلى حريق محدود وأضرار في مبنى إداري من دون تسجيل إصابات، بحسب التقارير المنشورة.
ويحمل هذا التطور مؤشراً على أن استهداف البنية النفطية قد يتحول إلى مسار متبادل في المواجهة، بما يرفع المخاطر على منشآت الطاقة ويزيد الضغوط الأمنية والاقتصادية على الطرفين. فبينما تسعى الرياض إلى الحد من قدرة الحوثيين على استهداف أراضيها، تحاول الجماعة إظهار قدرتها على الرد والوصول إلى مواقع استراتيجية داخل المملكة.
وفي المحصلة، تستهدف الضربات السعودية أحد مفاصل القدرة على مواصلة الحرب الحوثية، عبر الضغط على الموارد التي تغذي الحركة والإمداد والتشغيل، بالتوازي مع استهداف مخازن السلاح ومراكز القيادة. لكن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطاً بمدى استدامة الأضرار وقدرة الجماعة على تعويض الخسائر، لا بعدد الغارات وحده.
أما الخطر الأوسع، فيتمثل في أن يتحول استهداف الوقود والمنشآت النفطية إلى حلقة جديدة من التصعيد المتبادل، تتجاوز الحسابات العسكرية لتطال الخدمات الأساسية وحركة التجارة وحياة المدنيين، من دون أن تضمن بالضرورة تغييراً حاسماً في ميزان القوى على الأرض.






















