(عاد/المكلا)حاوره: ابوبكر عبدالله :
تعد التجربة الحضرمية في العمل السياسي والاجتماعي واحدة من أبرز النماذج الملهمة في المنطقة، خاصة مع بروز «مؤتمر حضرموت الجامع» ككيان استطاع صهر التباينات في بوتقة وطنية واحدة.. اليوم، ومع تسارع التحولات الجيوسياسية، تجد حضرموت نفسها أمام أسئلة وجودية تتعلق بالهوية، والتمثيل، وشكل الدولة القادم.
للوقوف على هذه الاستحقاقات، التقينا برئيس الدائرة الإعلامية لمؤتمر حضرموت الجامع، الأستاذ صلاح مبارك بوعابس، لنبحر معه في تفاصيل المشهد المعقد، ونبحث عن «البوصلة» التي ستوجه حضرموت نحو بر الأمان وسط أمواج الاستقطابات المتلاطمة.
🟥 س : تمر حضرموت اليوم بمنعطف تاريخي يصفه المراقبون بـ «الخطير». كيف تقرأون في مؤتمر حضرموت الجامع حالة الارتداد نحو الانتماءات الضيقة والتعصب الحزبي التي طفت على السطح مؤخرًا؟
🟦 ج : شكرًا لكم .. نحن ندرك تمامًا حساسية هذه اللحظة؛ فما نشهده اليوم هو مخاض عسير، وحالة من «الارتداد» نحو التمترس وراء الانتماءات الحزبية الضيقة بعد فترة من ذوبان تلك الفوارق ، والتوجه نحو توحيد الإرادة الحضرمية.. ومع ذلك، نحن نراهن على وعي الإنسان الحضرمي الذي يتميز بإدراك وبحس سياسي رفيع؛ فلن تمر عليه المشاريع التي تحاول الانتقاص من إرادته الحرة وتطلعاته نحو مستقبل آمن وحياة كريمة.
والمسؤولية يتشارك فيها جميع الحضارم وتقع على عاتق المثقفين وأصحاب الرأي – بالدرجة الأولى -؛ ألا يكتفوا بمقاعد المتفرجين، بل أن يكونوا «حائط الصد الأول» أمام محاولات التشرذم التي تهدد بنيان الفكرة الجامعة التي ناضل من أجلها الحضارم حتى أصبحت واقعًا ملموسًا.
🟥 س : أثير لغط كثير حول سؤال «من يمثل حضرموت؟».. هل تعتقدون أن هذه النقطة حُسمت، أم أن تعدد الأصوات اليوم يشتت شرعية هذا التمثيل؟
🟦 ج : المبدأ الأساسي حُسم وبشكل قطعي: «حضرموت لا يمثلها إلا أبناؤها»، وهذه قاعدة ثابتة لا تقبل المساومة.. هذا الاستحقاق لم يأتِ هبةً، بل انتُزع بمسيرة نضال خاضها «حلف قبائل حضرموت» ومعه جميع أطياف المجتمع الذين قدموا تضحيات جسيمة منذ عام 2013م، وهي المسيرة التي جعلت من حضرموت – واقعًا – رقم يصعب تجاوزها في أي معادلة وتسوية .. فمن أهم بنود «الهبة الشعبية الحضرمية» تمكين أبناء حضرموت من إدارة شؤونهم بأنفسهم إداريًا وعسكريًا وأمنيًا، وهو المبدأ الذي بدأ يترسخ في مختلف المواقع ومفاصل منظومة السلطة المحلية و الأجهزة العسكرية والأمنية ولا نزلنا نتمسك به ، والعمل على تعزيز التواجد والمشاركة الحقيقيه والمنصفة في مختلف هياكل الدولة المركزية كاستحقاق يعزز من الشراكة الوطنية العادلة .
🟥 س : ولكن ألا تتفق معي بأن هناك تعددًا في المشاريع السياسية المطروحة لتحديد مصير حضرموت؟
🟦 ج : فعلًا، الإشكالية الحقيقية تكمن في «تعدد الرؤى» داخل البيت الواحد. نرى اليوم ثلاثة اتجاهات رئيسية تتنازع المشهد : مشروع «حضرموت دولة»، ومشروع «الدولة الجنوبية»، ومشروع «اليمن الاتحادي». نحن في “الجامع” لا نقصي أحدًا، بل نؤمن بوجوب تعايش هذه المشاريع تحت سقف الحوار، شريطة أن تكون مصلحة حضرموت وحقوق أبنائها هي القاسم المشترك والأولوية القصوى.. ونرى أن غياب وحدة الموقف هو ما يهدد بضياع فرصة تاريخية قد لا تتكرر.
🟥 س : بالحديث عن «مؤتمر حضرموت الجامع»، يُنظر إليه كتجربة رائدة غير مسبوقة، ما الذي جعلها ملهمة في حين تعثرت كيانات أخرى؟
🟦 ج : مؤتمر حضرموت الجامع وُلد في لحظة تاريخية فارقة، أعقبت تطهير الساحل الحضرمي من فلول الإرهاب.. وجاء بعد تحضيرات مكثفة استمرت قرابة العام، شارك فيها مئات الكوادر والشخصيات المرموقة من مختلف المشارب والانتماءات والتخصصات.. سر التميز يكمن في «التوافق»؛ فمؤتمر حضرموت الجامع ليس مجرد تجمع سياسي، بل هو مظلة التفّت حولها القوى القبلية، والنقابية، والمدنية، وحتى الأجهزة التنفيذية والقيادات العسكرية والأمنية.. لقد جرى استخلاص رؤى متعددة للخروج بخلاصة توافقية كبرى: «أن تكون حضرموت إقليمًا بذاته»، يدير شؤونه أبناؤه.. نحن لا ندعي الكمال، فالجامع ليس «صنمًا» لا يُمس، بل تجربة حية قابلة للتطوير، لكننا نجزم أنها تجربة رائدة جاءت بإرادة حضرمية خالصة ، وحرة، بعيدًا عن الاملاءات والوصاية والفرض السلطوي ، كما أنها صاغت مخرجات حظيت بإجماع شعبي لا نظير له.
🟥 س : على الرغم من أن وثائق مؤتمر حضرموت الجامع حظيت بدعم شعبي وتوافق مع السلطة المحلية، إلا أن هناك فجوة واضحة في التطبيق.. أين الخلل في ذلك؟
🟦 ج : هذا تشخيص دقيق.. لقد التوقيع على وثيقة تفاهم في 11 أبريل 2018م لتنظيم العلاقة بين الجامع والسلطة المحلية، لكنها للأسف لم تترجم إلى واقع عملي ملموس.. اليوم، وبعد سنوات من استتباب الأمن، لم يعد هناك مبرر لتفرد السلطات المعينة من المركز بالقرار .. إن التوجه نحو المشاركة الشعبية في إدارة الشؤون المحلية أمر حتمي لضمان الاستقرار ولحل الأزمات المزمنة مثل انهيار الخدمات الأساسية والأحوال المعيشية للمواطنين، والحاجة إلى خلق أصطفاف شعبي لحماية ما تحقق من المكتسبات وانتزاع الحقوق المشروعة.. والأمر يتطلب تناغم أداء السلطة المحلية ومساندتها ، وإعادة تمثيل القوى المجتمعية والسياسية بما يتناسب مع حجمها الفعلي على الأرض.
🟥 س: اسمح لي أن أنقل لكم طرحًا يتردد كثيرًا في الأوساط السياسية، ومفاده أن «الجامع» يميل إلى الانكفاء على الذات ولا يتعاطى بالإيجابية المطلوبة مع دعوات الحوار ؛ وهو ذات العتب الذي أشار إليه علنًا عيدروس الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، في لقاء عام بمدينة المكلا.. كيف تردون على هذا المنظور؟
🟦 ج: في البدء، لا بد من تصحيح هذه المقاربة؛ فالواقع والتاريخ القريب يؤكدان أن «مؤتمر حضرموت الجامع» لم يكن ليرى النور لولا اعتماده على الحوار البنّاء والتوافقات العريضة كركيزة أساسية لنشأته، ومن غير المنطقي بنيويًا أن يرفض كيانٌ قام على الحوار دعوةً للحوار.
وإذا ما أردنا تفنيد هذه الادعاءات بالحقائق الدامغة والشواهد الملموسة، فإن «الجامع» بادر بإرسال وفد رفيع المستوى يضم ثلاثة من أعضاء هيئة رئاسته ؛ وهم الأستاذ محمد الحامد والدكتور صالح عرم والأستاذ علي الصويل إلى القاهرة للجلوس ومناقشة فريق الحوار الجنوبي الخارجي.. علاوة على ذلك، فتح «الجامع» أبواب مقره الرئيسي في مدينة المكلا، واستقبل أكثر من مرة فريق الحوار الداخلي التابع للمجلس الانتقالي؛ وهي شواهد حية تدحض عمليًا مقولة الانكفاء أو القطيعة السياسية.
لكن المحك الحقيقي والمسؤول الذي نتشبث به هو «الحوار على ماذا؟ وما هي محدداته؟».. أن «مؤتمر حضرموت الجامع» يتحرك وفق صياغات ملزمة تتمثل في «مخرجات وثيقته»، وهي مرجعية غير قابلة للمساومة أو الالتفاف.. وفي الوقت ذاته نرحب بأي حوار ينطلق من الاعتراف بهذه المخرجات، ويحترم الإرادة المستقلة لأبناء حضرموت، ويهدف إلى تحقيق العدالة الناجزة، وصون كرامة الإنسان، واستعادة مكانته في إدارة شؤونه وثرواته، وضمان الشراكة الندية كاملة الحقوق؛ وما دون ذلك من حوارات شكلية لا تلبي طموحات أهلنا، فإنها لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات والهيمنة والإقصاء .
🟥 س : هناك أيضًا من يطرح أن «مؤتمر حضرموت جامع» أصبح منقسم في الساحل وآخر في الوادي والصحراء.. ما مدى صحة هذا؟
🟦 ج : هذا الطرح غير صحيح بالمطلق.. مؤتمر حضرموت الجامع كيان واحد، برئيس واحد، ورئاسة وهيئة عليا واحدة، وأمانة عامة مقرها المكلا.. لقد وُجد هذا الكيان الجامع من أجل حضرموت وهذا شعاره ، ليجمع كل أطياف المجتمع القبلي والمدني والسياسي على تراب حضرموت.. أما وجود مكتب في الوادي والصحراء ومكاتب في المديريات، فهو ضرورة إجرائية فرضتها المساحة الجغرافية الشاسعة لحضرموت، لضمان القرب من المواطنين وتلمس احتياجاتهم، وليس تعبيرًا عن انقسام هيكلي.
🟥 س : بصفتكم تترأسون دائرة إعلام «الجامع».. يرى البعض أن صوتكم الإعلامي لم يرتقِ بعد إلى مستوى التطلعات المأمولة، ولا يواكب حجم التحديات؛ ما تعليقكم حول ذلك؟
🟦 ج : في الواقع، ليس بهذه الصورة؛ ولكن للأسف البعض يختزل العمل الإعلامي في كونه أدوات للمناكفات السياسية وإثارة التجاذبات، بينما نراه نحن رسالة وعي ومسؤولية.. لقد انتهجنا في مؤتمر حصرموت الجامع منذ التأسيس خطابًا إعلاميًا مهنيًا وبنّاءً، تفرضه طبيعة التوازن لـ «الجامع» ككيان جامع ومظلة توافقية.
ونحن إذ نقرّ بوجود فجوة كبيرة جدًا في الإمكانات ، نظرًا لعدم امتلاكنا للمنظومات التقنية والوسائل والكوادر البشرية الضخمة التي تحظى بها أطراف أخرى ذات تمويل واسع، إلا أننا نفخر بأن ركيزة نشاطنا الإعلامي تقوم على الجهود الذاتية والتطوعية والإيمان المطلق بالفكرة.. ورغم هذه التحديات، استطاعنا تثبيت حضور سياسي ورسائل واضحة، أكدت على حقوق حضرموت المشروعة وتمسكت بمكتسباتها في كافة المحافل المحلية والدولية .
أما بخصوص الحملات الظالمة والممولة التي استهدفت «مؤتمر حضرموت الجامع» ورموزه من قِبل أطراف ترى في مشروع «الجامع» تقويضًا لمصالحها وتوجهاتها الضيقة، فقد آثرنا في «إعلام الجامع» عدم الانجرار إلى مربع التراشق الإعلامي، والترفع عن التعاطي مع تلك الفقاعات التي أثبتت الأيام زيفها وتبخرت دون أثر، إيمانًا منا بأن الحقائق الثابتة على الأرض هي الصخرة التي تتحطم عليها كل الأبواق التضليلية.
🟥 س : في ظل هذه الاستقطابات، أين يقع دور النخب المثقفة؟ وما هي رسالتكم الأخيرة لأبناء حضرموت؟
🟦 ج : لا يمكن بناء المستقبل بالعواطف والشعارات وحدها.. نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مراكز دراسات ، متحررة من القيود الأيديولوجية، لتقديم حلول علمية مجردة.. المثقف والباحث هو البوصلة التي تنير طريق السياسي، وبدونه سنظل نراوح مكاننا في عشوائية القرار.
رسالتنا لأهلنا في حضرموت ؛ نحن أمام استحقاق تاريخي يتطلب «نكران الذات».. علينا الانتقال من تشتت الأصوات إلى وحدة الموقف.. إن إقامة نموذج مؤسسي ناجح في حضرموت يحمي الشراكة العادلة ،ويفرض استقلالية القرار ، ويكبح أطماع الهيمنة، سيكون هو الجاذب والمحفز لبناء الدولة المنشودة.. حضرموت تتسع للجميع، وضياع هذه اللحظة هو ضياع لحقوق أجيالنا القادمة.. و «مؤتمر حضرموت الجامع» إلا كيان، وصوت لاستعادته حضرموت بعد عقود من التهميش، والحفاظ عليه هو الضمانة الوحيدة للمستقبل آمن وعيش كريم.
























